«إن ما تشعرون به من ألم هو انكسار القشرة التي تغلف إدراككم، وكما أن قشرة النواة الصلدة يجب أن تتحطم وتبلى؛ حتى يبرز قلبها من ظلمة الارض إلى نور الشمس هكذا أنتم أيضا، يجب أن تحطم الآلام قشوركم قبل أن تعرفوا معنى الحياة».(1)

وبعد، استصغار الأشياء ليس كله كبر هناك أيضا استصغار متعلق بالحب، والحب لا يأتي إلا بغاية، والغاية هي الحب.

عندما ترى أن الحياة حرب ليس بالضرورة أن تكون مريضا بالدمار فهناك حرب نحمي بها الحب، حرب نجاهد فيها أنفسنا، وعندما ترتدي درعك وسيفك عليك أن تعرف أن عدوك ليس درعك وإن ثقل عليك حمله وأن سيفك ليس بخائن لكنك لم تعتن به بعد رحلة شاقة لم تدرك تأثيرها عليه نشوة بالنصر أو حزنا من هزيمة.

ليس الجميع أعداءك فالأصل بالإنسان الحب، لذلك خلق الله حواء تلو آدم! هل كان آدم بحاجة في هذه اللحظة لغير حواء وحرمه الله؟ وهل ظلم الله حواء بجوار آدم؟ وهل أخرجته هي من الجنة كما يدعي البعض؟ إنهم عندما يعتقدون هذا فقد أعلنوا الحرب على الحب، ويا لها من راء خائنة، ويا له من مجتمع خائب لن يُروى مهما شرب من الدم! إذن ما الحب؟ وما الحرب الشريفة؟ ومن العدو؟ إنها أسئلة قد تكون أعمارنا إجابة لها، وقد تكون أعمارنا وأعمار الأحفاد إن جاءوا!

عندما ترى محبوبتك تحمل باقة أزهار وتقف بين جيشين ترفع راية السلام ولا ينصت أحد عندما تتذكر جدتك التي ماتت ألما على أحلام السلام الضائعة وعندما تتذكر فتاة كان من الممكن أن تكون حبيبتك أو ابنتك أو جدتك لكن طواها التراب رضيعة فقط لأنها كانت رمزا للروح والحب والسلام؛ عندها فقط قد تقتحم الراء مخلصة أسوار الحب؛ لتكون حربا نبيلة تحمي ورودا بيضاء نبتت على رفات الراحلين لتحمي حمامات بيضا لتحمي حبات التفاح وزهور الليمون والبرتقال، ولتحفر بجذوع الأشجار وعلى الأحجار »هنا مر الحب بإعصاره وناره وأزهاره، هنا ولد عصر جديد للإنسانية يذكرنا بسكينة آدم وبراءة حواء» الليل يمضي والنهار يرحل وتبقى الكلمات مكانها مبتسمة أو مكلومة لكنها لا تموت ونحن نفعل.

تقاتلت الأضداد داخلنا كثيرا، وما كنا نعلم أنها بذلك تكشف عن معنى جديد وسر مكنون يرحل بنا عن المعلوم إلى المعروف! يمحو ما صنعت بنا المادية من عته وعفن؛ ليجيب نداء الروح، نعم الروح لها نداء، رغم أنها لا تعرف الأسوار والحدود، إنها مكنون الحرية والكرامة الإنسانية، إنها سر الله عندما يريد لها أن تخفف من ثقل المادة تفعل، وعندما يأمرها أن ترجع إليه تفعل أيضا »يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية…«.

يا له من حب.. لا أدري لم نهمل أرواحنا، وما أهملنا الله. كم رأيت انعكاس وجوه عابسة على كيس النقود ولا تدري أوجهه على عاتقه أم على الكيس؟ ورأيت من فرح بذبح روحه قربانا لشهوته الساهمة نحو كل جسد عابر، ولا يسمع أحد صراخ الروح إلا عندما تحل اللعنات عندما يحترق الأطفال، وتغتصب النساء، ويهدم الرجال. وماذا بعد، أتبتلع الشمس الأرض بدلا من أن تشرق ولم يكفنا فوران التنور(2) اليوم لا يوجد نوح ليلملم عناصرنا.

الشمسُ تصعدُ للسماء “
والزهرُ يخنقه البكاء
والليل ينظرُ في دهاء
عاد الظلامُ مدينتي ما كنتِ يوماً .. للضياء
الآن يرحلُ عنكِ نور الأنبياء
النورُ يخترقُ السماء
يمضي بعيداً ، ويح قلبي ليته ما كان جاء
يوماً رأت فيه القلوبُ
بشيرَ صبحٍ عانقت فيهِ الرجاء
يا أنبياءَ الله
لا تتركوا الأرضَ الحزينةَ للضياع
لا تتركوا الأرض الحزينة للضياع
يا أنبياء الله
يا من تريدون الوداع
يا من تركتم للظلام مدينتي
قبل الرحيل تنبهوا
الأرض تمشي للضياع
الأرض ضاعت .. في الضياع”(3)

يعتقد جبران خليل جبران أن قاتل الروح لا تدري به البشر ليته يعلم أن الأمر تعدى كل هذا الآن، ما لنا نتحمل كل هذا الألم وهل سيغفر لنا!

(1)   لجبران خليل جبران

 

(2)    حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)قرآن كريم – سورة هود

(3)   مقطع من قصيدة عودة الأنبياء للشاعر فاروق جويدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب
عرض التعليقات
تحميل المزيد