لقد أظهر حراك الريف بما له من أبعاد سياسية دولية ووطنية استراتيجية محكمة في الاحتجاج السلمي، وشكل بالفعل أرضًا خصبة تزايد معه الوعي السياسي ولو بنسبة قليلة ما أسفر عنه مجموعة انتفاضات شعبية مطالبة بأسبط حقوق العيش الكريم كانتفاضة جرادة وزاكورة وبني تجيت وغيرها، والتي لم تشهد البلاد مثلها منذ حراك 20 فبراير (شباط).

وقد طرح في هذا الصدد موقف درعة تافيلالت من هاته الاحتجاجات باعتبار هاته الجهة البؤرة القاتمة التي تعاني من الحصار السياسي والوضع الاجتماعي والثقافي المنحط في إطار السياسة التي ينهجها النظام، وهو ما يمكن أن نسميه: سياسة شمال جنوب، واحتكارية المؤسسات الرأسمالية للثروات التي تزخر بها الجهة وتفقير الشعوب اجتماعيًا وفكريًا، ويطرح في هذا المضمار مفهوم دكتاتورية الأحزاب أو بالأحرى السياسة الأحادية في العمل السياسي، والذي يتمثل سيطرة أحزاب على رأس الأصابع على المشهد السياسي المحلي.

يمكن الحديث في هذا الصدد عن دور الشبيبة في العمل السياسي فحسب تحليل الواقع الموضوعي يتبين بالملموس على أن الممارسة السياسية بعيدة المتناول في أيدي الشبيبة، وتبرز بالخصوص فقط في فترة الانتخابات في استغلال الشباب في تلميع صورة حزب ما، وأكثر تدقيقًا في تلميع انتهازية الأحزاب مستغلين بذلك الوضع الاجتماعي للشبيبة، وهذا بحد ذاته يجعل الشباب مساهمًا في تردي الأوضاع الاجتماعية، ونستثني بعض الممارسات السياسية للشباب، حيث يتم انتشال هاته الممارسات، المبدئية وبلورتها لخدمة أجندة أخرى من أجل التسلق الطبقي وقط، بيد أنه في تحليلنا يمكن الحديث عن مفهوم التنشئة السياسية، وهو مفهوم يتناول عمليات التنشئة التي يكتسب من خلالها الأطفال والمراهقون السلوكيات والمعارف السياسية يتم من خلالها إدخال الأفراد في الثقافة السياسية وتشكل توجيهاتهم بشأن الموضوعات السياسية وتؤثر في التنشئة السياسية مجموعة عناصر تجمل في البنية الاجتماعية التي تشمل كل من الأسرة والمدارس والإعلام والدين.. ولا يمكن الحديث عن التنشئة دون حضور الثقافة باعتبارها الأساس الذي يحكم سلوكيات الأفراد والمجتمع، على أن المؤسسات المحلية والجمعيات الوهمية التي تدعي الحداثة والعقلنة في تافيلالت لا تساهم بحق في هيكلة وتثمين ثقافة ذات أبعاد حداثية عقلانية إنما تلعب الدور المعاكس في جمودية الفكر وإرجاع عجلة في الفكر إلى الحضيض.

إن الوعي الاجتماعي حسب كارل ماركس إنما يحدده الوجود الاجتماعي، ويمكن الانطلاق من علاقة البنية التحتية التي تشمل الاقتصاد ومدى تأثيره على البنية الفوقية التي تشمل الدين والمجتمع والسياسة.

على أن الوضع الاجتماعي التي تعيشه المنطقة هو ما يؤثر في وضعها الاجتماعي. إذًا فالحديث عن قلب بنية اجتماعية طبقية لا يحدده في المقام الأول سوى الوعي الاجتماعي للأفراد فثورة الفكر سباقة، وهنا يطرح سؤال عن مدى دور المثقف في هذا المنطلق؟

إن المثقف حسب تحليلي البسيط هو الناقد الفكري الذي تشتغل آلياته الفكرية في طرح الأسئلة حول ما كل ما يشغل جوانب الحياة منطلقًا من محيطه الاجتماعي الذي يحدد سلوكياته وسلوكيات الأفراد في محاولته نقده لثقافة المجتمع السائدة التي تتأسس على الأعراف والتقاليد والأحكام العرفية والتي تعتبرها الأغلبية قوانين للطبعة وإعطائها صبغة دينية مقدسة، محاولًا قلب ثقافة اجتماعية انطلاقًا ونظرة حداثية عقلانية، وما سيحدد ذلك هو مدى ربط نظريته الفكرة وممارسته العملية.

إن المثقف في مجتمعنا هذا يمكن وضعه في خانة الأقليات على أن المؤسسات المحلية والثقافية لا تساهم في تثمين مجهودات المثقف في بلورة فكر أكثر شمولية وحداثة نظرًا لسياسات الدولة في التجفيف والتفقير الفكري لعامة الشعب ذات الوضعية الاجتماعية المهترئة، وهذا ما يجعل المثقف بين المطرقة والسندان على أن المثقف بحد ذاته مساهم في تكريس ثقافة الخنوع والخضوع الفكري فالحدود التي ترسمها له المؤسسات تجعله يربط أفكاره النظرية وممارساته الفكرية ونقاشات فضفاضة تشكل محيطه الذاتي فأفكاره والمنطلق العقلي لابد أن توجه إلى الفئة التي تتسم بالجمود محاولًا إخراجها من تضعضعاتها الثقافية، لا إلى غيره من المثقفين ينحاز إليها راغبًا في تكثيف نظرياته الفكرية وإخراج مكنوناته الفكرية في نقاشات لا تسمن ولا تغني، وهذا ما يجعل المثقف خاضعًا لثقافة المجتمع مخفيا الباطن ومتذبذبًا بين تقدمية ورجعية الفكر، وهو ما يمكن أن نطلق عليه بالمثقف الخجول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد