في كتاب شرح المقاصد للإمام التفتازاني، رحمه الله، تجد ما لا تجده في الكتب التي اهتمت بشرح العقيدة والرد على الشبهات التي يثيرها أهل الأهواء، هذا الشرح القيِّم الذي بيَّن عوار الأفكار الملحدة وانحرافها، وأزال اللبس عن المصطلحات، وأقام الحجة الساطعة بالفكر والمنطق.

نقف معه وقفة قصيرة حول قضية عظيمة لطالما كانت وما تزال مشغلة لكثير من العقول؛ ألا وهي قضيَّة البعث أو الحياة بعد الموت.

تعريف البعث

البعث في اللغة بمعنى «الإرسال» ، ولذا يُقال: بعثه، أي أرسله. وقد يطلق ويراد منه «الإخراج» أو «الإحياء»، يُقال: بعثته من الدار، أي أخرجته منها، وبعث الله الموتى؛ أي أحياهم.

وفي الاصطلاح الإسلامي يُعرَّف بأنه «بعث الله تعالى الموتى من القبور بأن يجمع أجزاءهم ويعيد الأرواح إليها»، وقيل هو «الرجوع إلى الوجود بعد الفناء».

الأدلة على البعث

يعد من أقوى الأدلة على البعث هو تأمُّل البداية الوجوديَّة للخليقة، فمن كان قادرًا على الوجود الأول من العدم؛ فهو بالأحرى قادر على الوجود الثاني وإعادة الفاني؛ لكونه أهون وأيسر.

ثم إنك حين تتفكَّر في هذه الحياة، تُدركُ أن هذه التجربة التي تعيشها اليوم كيف يستحيل وقوعها ثانية، فليس أكثر عداءً للمنطق والعقل الإنساني، من أن نُسلِّم بوقوع حادث في الحال وننكره في المستقبل!

إن العجز الإنساني ليقرر ببداهة أن «المستحيل» في نظر العقل البشري لا يكون مستحيلًا بذاته دون سند من الوحي المطلق الذي أيَّد الله به عباده، فالذرة والكهرباء وإمكانية تحويلها إلى مادة أو العكس، وهبوط الإنسان على سطح القمر، ونزوله إلى قاع البحار وتسجيل ما يحدث فيه. كل هذه الأمور لو تحدث عنها في الماضي لاستبعدت ولاعتبرت من ضروب البلادة العقلية المستحيلة.

وإذا كان قد حدث هذا وهو من صنع الإنسان المحدود الطاقة والذكاء، فكيف بالقادر والعالم المطلق؟

شبهات حول البعث

لقد حاول البعض أن يضع العقبات والصعاب في طريق الإيمان بالبعث والحياة الآخرة، لكن ما هي إلا محاولات باءت بالفشل الظاهر، ومن تلكم العقبات قولهم:

إن الله يخلق بدنًا جديدًا للميتين الذين خربت أبدانهم، يكون غير البدن الأول، وعليه فإن المثاب والمعاقب باللذات والآلام الجسمانيَّة غير من عمل الطاعة وارتكب المعصية في الدنيا؟!

لكن هذا التساؤل قد وقع في مغالطة ألا وهي «نسيان القدرة المطلقة» التي تملك أن تعيد المعدوم بعينه.

ولكن مع هذا الذي فرضوه لن يكون له أدنى اهتمام لو علمنا أن العبرة في اللذات والآلام إنما تكون بـ«الإدراك». هذا الإدراك للروح ولو بواسطة الآلات، وهذه الروح باقية بعينها لا تتغير، ولذلك يُقال للشخص من الصبا إلى الشيخوخة: إنه هو بعينه، وإن تبدَّلت الصورة والهيئات.

ولا يُقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب أنها عقوبة لغير الجاني.

فالروح هي مدار الأمر، ولولاها لا قيمة للجسد أصلًا ولا إحساس له.

وقد اعترض البعض قائلًا: لو أن إنسانًا أكل إنسانًا وصار غذاء له جزء من بدنه. فعلى هذا سيكون المُحاسب يوم القيامة في جزء من بدن الآكل، وهكذا فلن تكون المقاضاة عادلة كما يجب.

ولكن هذا التساؤل ينم عن عدم إدراك بقدرة الله العظيمة التي تعيد الأجزاء الأصلية إلى مكانها بكل بساطة وسهولة، فقدرة الله تنفي مثل هذه التساؤلات الواهية من أساسها.

وهكذا سار إمام الدين التفتازاني في كتابه مبينًا بالعقل السليم عوار الفكر الشارد عن الحق والحقيقة، وطريقته هذه التي استنبطها عقل راجح معتمدًا على كتاب الله العظيم، وقد دأب العرب المشركون في محاججتهم للنبي الكريم  -صلى الله عليه واله وسلم – والقرآن العظيم على عدم الاستناد إلى علم أو هدى أو كتاب منير، لأنهم أميون لم يقرأوا كتابًا ولم يستنيروا بنور العلم، إلا علم الكهانة الذي ضعفت حجته أمام القرآن، وأما البلاغة فإنها لم تكن لهم علم وإنما سليقة فُطروا عليها، ولذلك لم يحاججوا القرآن في بلاغته، وقد فعلها من بعدهم أقوام في تاريخ الإسلام ممن أطلق عليهم الزنادقة بعد أن صارت البلاغة علمًا واللغة قواعد، وقد دُحضت حجتهم.

وإذا كان القرآن يحاجج الناس عامة بالخلق في الآية 5 من سورة الحج من أجل توكيد البعث والمعاد، فإنه لا يحاجج هذه الفئة من الناس التي أصابها غرور الكسب ورغد العيش، وعبر عنها بتثنية العطف وهو التبختر في قوله «ثاني عطفه»، بل شرع القرآن في الآيات من 14 إلى 24 في توكيد المعاد والبعث والجنة والنار حقائق في الكون، وخاتمة آية 14 التي تبدأ بالتوكيد تؤكد هذا في قوله «إن الله يفعل ما يريد» فالبعث والمعاد والجنة والنار تدخل في إرادة الله تعالى، وهي لذلك حقائق في الكون لأنها من الخلق بالحق وتوكيد من خلال البعث والمعاد على أن خلق السماوات والأرض لم يكن لهوًا ولم يكن باطلًا، بل هو الخلق الحق الذي يترتب عليه وينشأ عنه الحق في الثواب والعقاب في البعث والمعاد.

قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» (سُورَةُ الْحَجِّ: 22-5).

لقد ورد في آخر الآية، أنكم ترون الأرض وكأنها هامدة قاحلة عاجزة عن الإنبات والعطاء، وما إن نُنزل عليها الماء الغزير من السماء، حتى تبدأ بالحركة والاهتزاز، فينبت نباتها بقوة، وينمو زرعها بشكل سريع. أجل، ويخلق الله سبحانه زوجين من كل شيء، وترسم يد القدرة مشاهد من الجمال خلابة تبهج القلوب وتبهر الأنظار.

أوَ يعجز القدير المطلق الذي أقام الكون عن إقامة حياة بعد الموت لبني آدم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد