مــــــقدمـــــة

تعد إشكالية العلاقة بين الأخلاق والدين من أكثر الإشكاليات التي سال حولها المداد، وخصصت لها جهود وعُنونت بها كتب وفصول قبل «كانط» وبعده إلى ما شاء الله، فتعددت الإجابات بتعدد التيارات الفكرية والرؤى الفلسفية فمنها من رأت تغليب طرف على آخر، ومنها من فصلت بينهما، وأخرى أعادت النظر في طبيعة السؤال وما إلى ذلك من الإجابات التي اختلفت حسب زوايا النظر.

ويعتبر طه عبد الرحمن من أهم الفلاسفة المعاصرين الذين أدلو بدلوهم في هاته الإشكالية فصاغ لها إجابة بطريقة فريدة، ذلك أنه بنى تصوره لهاته العلاقة على أنقاض التصورات الأخرى التي انتقدها، وعمل على بيان أوجه تهافتها وقصورها. ولما كان تعذُّر الحياد في الشأن الإنساني من أهم المسلمات الطهائية، كان التحيز مُنطلق إجابة طه عبد الرحمن عن إشكالية هاته العلاقة، هذه الإجابة القائمة على قناعة مفادها «الحاجة الملحة إلى أخلاق الدين».

وفي سبيل الوقوف على مركزية المسألة الأخلاقية في مشروع طه عبد الرحمن فإن الإشكالية التي يطرحها هذا البحث المتواضع هي:

-ما هي دواعي انشغال طه عبد الرحمن بالمسألة الأخلاقية؟

ما هي المكانة التي تحظى بها المسألة الأخلاقية في مشروع طه عبد الرحمن؟

1– دواعي انشغال طه عبد الرحمن بالمسألة الأخلاقية

لا شك أن الذي يقرأ أعمال طه عبد الرحمن يَعلم –ضرورة- أنه حامل لواء فلسفة الأخلاق في العالم الإسلامي المعاصر، ذلك أنه سلك طريقا حاول من خلالها،«أن يُعيد الاعتبار لسؤال الأخلاق باعتباره البداية الرئيسية لإعادة إحياء الإنسان بعدما تقاذفته قوى المادية الناتجة عن عمليات العقلنة غير المسددة بالأخلاق وكذا كصناعة موقف أصيل مستقل يمكن الانطلاق منه لنقد الحداثة الغربية من خلال أرضية مغايرة بحيث تكون الأخلاق كمدخل للنقد وأيضًا كمشاركة أصيلة إسلامية في تلك الحداثة الكونية»[1]، ذلك أنه ثبت عنده أن المقوم الأخلاقي هو ما يكون به الإنسان إنسانًا، وهو ما أكده بالقول أن «الأخلاقية هي ما يكون به الإنسان إنسانًا وليست العقلانية كما انغرس في النفوس منذ قرون بعيدة، لذا ينبغي أن تتجلى الأخلاقية في كل فعل من الأفعال التي يأتيها الإنسان مهما كان متغلغلا في التجريد بل تكون هذه الأفعال متساوية في نسبتها إلى هذه الأخلاقية حتى أنه لا فرق في ذلك بين فعل تأملي مجرد وفعل سلوك مجسد»[2]. ولما ثبت عنده » أن الاعوجاج الخلقي للحداثة بلغ تأثيره في النفوس حدًا لا ينفع في تقويمه أخلاقيات السطح»[3]، واقتناعًا منه أن العالم بلغ ما بلغ من الاعوجاج الخلقي جراء ابتعاده عن أخلاق الدين، فإنه يرى ضرورة العودة إلى هاته الأخلاق باعتبارها الكفيلة بإصلاح أعماق الإنسان المعاصر الميت وهو ما يؤكده بقوله «وبناء على اقتناعنا بهذه الحقيقة العجيبة جئنا بنقد أخلاقي غير معهود لمظاهر أساسية من الحداثة تعد عند سوانا سببًا يحمله على تعظيم أمر الحداثة الغربية في حين يعد عندنا سببًا يدعونا إلى تعظيم الحاجة إلى أخلاق الدين لحصول الانتفاع بهذه الحداثة»[4]، ولهذا حاول طه عبد الرحمن أن يعيد ربط الأخلاق باعتبارها عملا لا نظرا بالفلسفة النظرية عمومًا ومفهوم الحداثة خصوصًا حتى يصبح النظر والعمل الأخلاقي متلازمين بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر فعمل على نقد اعوجاج الحداثة الأخلاقي وتقويمه أخلاقيًا وبناء نسق أخلاقي جديد يضع «أخلاقيات تنأى عن السطح الذي وقفت عنده الحداثة وتغوص في أعماق الحياة وأعماق الإنسان»[5]، وليست هذه الأخلاق سوى «المعاني التي ينطوي عليها الدين الإلهي»[6]، ولهذا فإن طه عبد الرحمن يؤكد وجوب الرجوع إلى أخلاق الدين الإسلامي الخاتم لمعالجة واقع الآفات الخلقية للحداثة الغربية.

ومما سبق يمكن إجمال دواعي انشغال طه عبد الرحمن بالمسألة الأخلاقية فيما يلي:

إيمانه أن القيم الأخلاقية هي الوحيدة التي تستطيع مجاوزة الحدود التي يقف عندها العقل والذي جعلته الحداثة الغربية أخص ما يميز الإنسان، بحيث تصل هذه القيم ظاهر الإنسان بباطنه، وجسده بروحه وتجعله يعمل عقله وفق مقتضى فطرته الموصولة بالغيب.

الاعوجاج الخلقي الواضح للحداثة الغربية التي استبعدت الأخلاق بالمعنى العملي على اعتبار أن الأخلاق عمل لا نظر بحيث كل فعل تأمليًا كان أو مجسدًا، فانه يحمل قيمة أخلاقية.

إيمانه بضرورة بناء نسق حداثي أخلاقي جديد، يقوِّم الاعوجاج الخلقي للحضارة الغربية ويكمل النقص الحاصل في الفكر الإسلامي ويفتح أفق الإبداع من جديد في جانب التنظير للمبدأ الأخلاقي، لذلك سعى طه عبد الرحمن إلى ,وضع نظرية أخلاقية إسلامية مستمدة من صميم هذا الفكر، نظرية تفلح في التصدي للتحديات الأخلاقية لهذه الحضارة بما لم تفلح به نظائرها من النظريات الأخلاقية غير الإسلامية أو غير الدينية»[7]، ولهذا فإن نقد طه عبد الرحمن للاعوجاج الخلقي الناتج عن الابتعاد عن أخلاق الدين تجاوز فكرة الهدم ليمتد نحو فكرة البناء.

2– موقع المسألة الأخلاقية في مشروع طه عبد الرحمن

برز مشروع طه عبد الرحمن في وقت اشتدت فيه التبعية للفكر الغربي، باعتبارها رؤية ناقدة لهذه التبعية، محاولة استشكال أسبابها وبيان تأثيرها على العقل العربي الإسلامي الذي صار مُرتهنا لها، فـ«أعلن حربًا على مُقلدة هذا العصر في أعماله كلها، ورفع راية الإيمان وسَخِر من أوهام متفلسفة العصر، مِمن رضوا بالذل والهوان».[8]،وفي سياق نقده للحداثة الغربية نقدًا أخلاقيًا مُحاولا كشف تناقضاتها، يسعى طه عبد الرحمن بالموازاة إلى تأسيس حداثة إسلامية أصيلة، على أنقاض هذه الحداثة، مُتوسلا بالأخلاق الدينية، التي لها دور مركزي في مشروعه، إذ بها ينتقد الاعوجاج الأخلاقي للحداثة الغربية، وعليها يقيم صرح نظريته الأخلاقية الإسلامية، في مقابل النمط الحداثي الغربي الذي نبذ الأخلاق نبذًا كاملا، ولهذا فمنذ أن انبرى طه عبد الرحمن إلى محاربة كل أشكال التسيد الذي يمارسه عقل الحداثة الغربية على ما سواه، حتى اعتبره البعض قدَرا مُقَدرا لا مفر منه، كانت المسألة الأخلاقية أداته للإطاحة بهذا التصور المبني على نظرة أحادية للإنسان والكون، غَلبت «الجانب المادي» على «الجانب الروحي»، وفصلت الكون عن خالقه وبالتالي فصلُه عن الدين، وراحت تتقلب بين قوى وهمية -متوسلة بعقلها-، ترجو منها الرقي بالإنسان في مدارج السعادة الدنيوية، إلا أن طه عبد الرحمن ربط الإنسان بأصله وذكَّره بالميثاق الحاصل بينه وبين ربه في يوم لا كالأيام أقَر فيه بربوبية الإله، محاولًا بناء تصور أخلاقي يُذكر الإنسان بأصله الأخلاقي المتمثل في الدين.

وبالتالي فإن طه عبد الرحمن في محاولته صياغة رؤية ناقدة للحداثة تجد مرتكزاتها في المجال التداولي العربي الإسلامي، استند إلى الأخلاق الإسلامية الائتمانية وذلك في سبيل بناء حداثة إسلامية أصيلة تُغاير الحداثة الغربية بل وتضاهيها بأخلاقيتها.

والحاصل إذن أن المسألة الأخلاقية مسألة مركزية في مشروع طه عبد الرحمن، إن لم نقل أنها مداره وقطب الرحى فيه، ولهذا استحق طه عبد الرحمن أن يكون بحق «فيلسوف أخلاق».

____________________________________________________________________________________________________________

[1] ـ كريم محمد «النقد الأخلاقي للحداثة عند طه عبد الرحمن» موقع tahaphilo الأحد 29 أكتوبر 2014م.
[2] ـ » طه عبد الرحمن سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية» المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة : 5 / 2013م ص: 14 – 15.
[3] ـ سؤال الأخلاق مصدر سابق ص: 26.
[4] ـ المصدر نفسه ص: 26 – 27.
[5] ـ المصدر نفسه ص: 26.
[6] ـ المصدر نفسه ص: 26.
[7]  المصدر نفسه ص: 171
[8] – عباس ارحيلة: فيلسوف في المواجهة قراءة في فكر طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي . الدار البيضاء المغرب ، ط 1 ، 2013، ص 18

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد