في الوقت الراهن، تشغل قضية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي الساحة العالمية، وكثرت التأويلات والتفسيرات والتكهنات والتخمينات، وربما تحمل الأيام القادمة الخبر اليقين! هذا ما يجري اليوم، وما أشبه الليلة بالبارحة! فقبل سنوات ظهر كتاب (في الشعر الجاهلي) للدكتور طه حسين، وأثار الكتاب من اللغط والملاكمات الأدبية والدينية ما يوازي أهمية قضية خاشقجي، وربما يزيد عنها لاختلاف البواعث والنتائج. آثر طه حسين أن يضفي على كتاباته طابعًا النكهات الحريفة، وأن يلوذ بسلاح الضرب في الثوابت والمسلمات، واعتمد منهج الشك الديكارتي مع انتقاءٍ متعمد في تطبيقه.

وإذا كانت جهات رسمية وغير رسمية تربط اختفاء خاشقجي بولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وفي الوقت نفسه يصور الإعلام السعودي ولي العهد على أنه المجدّد للفكر السعودي، والمحارب للتطرف والجمود والركود؛ فإن من عاصروا طه حسين تغنوا بريادته وقيادته للحركة الأدبية والفكرية، وخلعوا عليه ألقابًا فضفاضة ووسموه بعميد الأدب العربي، ثم جاء من بعدهم مرددون للألقاب دون الوقوف على حقيقة الأمر؛ فاكتسبت الصورة القاتمة جلالًا لا تستحقه، واكتسب طه حسين مكانة فوق قدره.

طه حسين (15 نوفمبر 1889 – 28 أكتوبر 1973)

شهدت عزبة الكيلو التابعة لمركز مغاغة بمحافظة المنيا (إحدى محافظات صعيد مصر)، وفي الرابع عشر من نوفمبر سنة 1889 ميلاد طه حسين، وفي بيئة يسيطر عليها الفقر نشأ طه بين أقرانه، ولم يكد يصور معالم الحياة من حوله لأربع سنوات حتى أصيب بالرمد، وفي العام التالي أظلم نور عينيه نتيجة الإهمال الطبي، وترك ذلك في نفسه من السخط والمرارة الشيء الكثير. انطلق إلى كتّاب القرية مع الأطفال، وحفظ القرآن الكريم ثم انتقل في سن الثانية عشرة إلى القاهرة؛ ليدرس في الأزهر الشريف مع أخيه، وهناك تعلقت نفس طه بالشيخ سيد بن علي المرصفي، وكان الشيخ يعابث زملاءه من الأزهريين، ويسخر منهم ويعيب عليهم طريقتهم في التعليم؛ فأخذ عنه طه هذا المنهج الذي لازمه طويلًا، وكتب عنه في كتابه (الأيام)، كما تتلمذ لفترة على يد الشيخ محمد عبده وآخرين.

ضاق الشيوخ ذرعًا بطه حسين، ولم يحصل على الشهادة الأزهرية العليا، بل وفصلوه من الأزهر بعد أن كتب مقالًا يسخر فيه من شيخ الأزهر. وعن سبب خروجه من الأزهر كتب بمجلة الهلال في نوفمبر 1927: بينما كنا نقرأ في كتاب الكامل للمبرد، وردت هذه العبارة: (ومما كفر الحجاجَ به الفقهاءُ قوله: والناس يطوفون بقبر النبي ومنبره، إنما يطوفون برمةٍ وأعواد)؛ فقلت أنا: إنه لم يكفر، وإن كان قد أساء الأدب، وبلغ قولي شيخ الأزهر وسمعت أنه سيطردني؛ فذهبت إلى الجريدة أريد كتابة مقال عن هذا الموضوع، وهناك تقابلت مع الأستاذ لطفي السيد فرفض المقال، ولكنه عرض أن يتوسط لإرجاعي، في ذلك الوقت شعرت أن الأزهر لم يعد يشبع ما في نفسي من الأغراض الأدبية؛ فتركته والتحقت بالجامعة المصرية”. لكن الأزهريين ساقوا أسبابًا أخرى غير الذي أوردها طه حسين، وعلى كل حال فقد ساقه القدر إلى الجامعة المصرية سنة 1908؛ فأكمل تعليمه بها ومنها حصل على أول دكتوراه في مصر سنة 1912 عن رسالته (ذكرى أبي العلاء).

وفي عام 1914 نفى البريطانيون أحمد شوقي إلى الأندلس، بينما حصل طه حسين في العام نفسه على منحة درسية في فرنسا؛ للدراسة في جامعتي مونبلييه والسوربون. ظل شوقي في منفاه حتى أواخر 1919، وهي الفترة عينها التي قضاها طه حسين في فرنسا، وشتان بين عودتهما إلى مصر. عاد شوقي وقد أعطى ظهره للقصر، وترك مديح الخديو إلى التغني بكفاح الشعب المصري، كما اهتم بربط مصر بالدول العربية ونادى بوحدتها ونعى انفصام عرى الخلافة الإسلامية، لكن طه حسين رجع بوجه غير الذي خرج به، وتشربت نفسه آراء أساتذته من المستشرقين.

نبتت في فرنسا بذرة موالية للغرب قلبًا وقالبًا، وظهرت جلية في رسالته للدكتوراه (فلسفة ابن خلدون)، والتي هاجم في ثناياها الجزائريين، وأغراهم بالتطامن للاحتلال الفرنسي والخنوع له، وتأثر فيها بآراء أستاذه المستشرق اليهودي إميل دوركايم، ومات دوركايم قبل أن يجني ثمرة إشرافه على رسالة طه حسين. كما تأثر طه باليهودي ليفي برايل تلميذ دوركايم، ورأى فيه امتدادًا لعطاء أستاذهما. تكاد باريس – في رأي طه حسين – تختصر العالم الإنساني على اختلاف أزمنته وأمكنته، ويجب أن تنتمي مصر إلى الحضارة اليونانية ولإغريقية، وأن تقطع صلتها تمامًا بالعرب! وأورد في مذكراته أنه اصطحب أستاذه المستشرق سانتلانا لدرس شيخ الأزهر سليم البشري، وعندما فسر البشري قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)؛ فاعترض طه على تفسير الشيخ ورفع عقيرته: هذه جبرية مطلقة! فأجابه البشري: من أين تعلمت هذا الكفر؟! من أساتذتك الإفرنج!

أقبل طه يسعى مطالبًا الأزهر بفهم القرآن الكريم على النحو الذي يفهمه البروفيسور الفرنسي كازانوفا، بل ودعا كازانوفا ليشرح لطلاب كلية الآداب تفسيره للقرآن الكريم، ثم كرَّم أرنست رينان في الكلية، ولم يضع في اعتباره أن رينان هاجم الإسلام بضراوة أكثر من مرة. احتفى أحمد لطفي السيد بأفكار طه حسين التغريبية، وراق له ولسلامة موسى أن يدندن طه حسين على وتر الفرعونية، ومن ذلك قوله: إن الفرعونية متأصلةٌ في نفوس المصريين وستبقى كذلك، بل يجب أن تبقى وتقوى، والمصري فرعوني قبل أن يكون عربيًا، ولا يُطلب من مصر أن تتخلى عن فرعونيتها، وإلا كان معنى ذلك: اهدمي يا مصر أبا الهول والأهرام، وانسي نفسك واتبعينا، لا تطلبوا من مصر أكثر مما تستطيع أن تعطي، مصر لن تدخل في وحدة عربية سواء كانت العاصمة القاهرة أم دمشق أم بغداد.

وبينما يقول شوقي عن الاحتلال الفرنسي لسوريا:

بني سورية اطرحوا الأماني وألقوا عنكم الأحلام ألقوا
فمن خدع السياسة أن تغروا بأحلام الإمارة وهي رقُ
نصحت ونحن مختلفون دارًا ولكن كلنا في الهم شرقُ
ويجمعنا إذا اختلفت بلاد كيان غير مختلفٍ ونطقُ

نرى طه حسين يتحدث عن علاقة مصر بالعرب: خضع المصريون لضروب من البغي والعدوان جاءتهم من الفرس والرومان والعرب أيضًا. وبينما قرأ شوقي التاريخ القديم وعقد مقارنات بينه وبين التاريخ العربي، وبث في نفوس الشباب التمسك بالدين والاعتزاز به، وعلى منواله نسج تلميذه علي الجارم، نجد أن طه حسين بعد عودته من فرنسا تولى تدريس تاريخ القديم (اليوناني والروماني) في الجامعة المصرية خلال الفترة (1919-1924)، وفي عام التالي انتقل إلى الجامعة الرسمية، وفي ربيع 1926 قدَّم محاضراته عن الشعر الجاهلي، ثم جمعها في كتابه (في الشعر الجاهلي)، وفي الصفحة 26 من الكتاب يقول: وللتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة، ونحن مضطرون أن نرى في هذه القضية نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهود والقرآن من جهة أخرى.

لمع اسم طه حسين أواخر العشرينات بعد هذا الكتاب، وأثيرت عاصفة قوية من ردود الأفعال؛ فالكتاب يرمي للتشكيك في نسبة الشعر الجاهلي للعرب الجاهليين، ويقول إن الشعر الجاهلي منتحل (منسوب بغير حق للجاهليين، وإنما وضعه المسلمون الأوائل لحاجة في نفوسهم)، ثم يعتمد طه حسين على التحليل الديني والتحليل اللغوي، محاولًا الفصل بين لغة العدنانيين والقحطانيين، وقد غيَّر عامدًا متعمدًا في أقوال حماد الراوية وخلف الأحمر وأبي عمرو بن العلاء، ووظف أقوالهم لتعاضد ما ساقه من ادعاءات. ذكر طه حسين أنه اعتمد منهج ديكارت في تناول الشعر الجاهلي، وغاب عنه وربما تعمد ذلك أن ديكارت لم يتخذ الشك غاية وإنما وسيلة لبلوغ غاية؛ فأسرف في الشك ونقل آراء المستشرق اليهودي مرجيلوث وجرجس صال في الشعر الجاهلي ونسبها لنفسه.

في الثلاثين من مايو (أيار) 1926 تقدَّم الشيخ خليل حسانين ببلاغ للنائب العام، واتهم طه حسين بالطعن في القرآن الكريم، رمى كتاب الله بالكذب والخرافات والأساطير، وبعد أسبوع تقدَّم شيخ الأزهر ببلاغ آخر للنائب العام، ثم جاء البلاغ الثالث للنائب العام من عضو مجلس النواب عبد الحميد البنان في 14 سبتمبر (أيلول) 1926، وبدأت النيابة التحقيق مع طه حسين من 19 أكتوبر (تشرين الأول) 1926 حتى 30 مارس (آذار) 1927، وحُفظت القضية إداريًا لعدم كفاية الأدلة. كتب خيري شلبي كتابًا عنوانه (محاكمة طه حسين) يسرد فيه تفاصيل تلك المحاكمة، وقد عصفت المظاهرات بأنحاء مصر تطالب بقتل طه حسين أو محاكمته، وخطب سعد زغلول في مظاهرة حاشدة بالقاهرة: إن مسألة كهذه لا يمكن أن تؤثر في الأمة المتمسكة بدينها، هبوا رجلًا مجنونًا يهذي في الطريق؛ فهل يضير العقلاء شيء من ذلك؟ إن هذا الدين متين، وليس ذلك الذي شكك فيه زعيمًا ولا إمامًا حتى يُخشى من شكه على العامة؛ فليشك ما شاء وماذا علينا إذا لم يفهم البقر؟

واكب ذلك محاصرة بعض الطلاب والأساتذة بكلية الآداب طه حسين في مكتبة الكلية، وكادوا يقتلونه لولا أن أنقذه بعض الخدم. وتبارى الأدباء والعلماء في الرد عليه؛ فكتب الرافعي (تحت راية القرآن.. الرد على الشعر الجاهلي)، وكتب محمد فريد وجدي (نقد كتاب الشعر الجاهلي)، ومحمد الخضر حسين له كتاب (نقض كتاب الشعر الجاهلي)، أما المازني فقد تحدث في (قبض الريح) عن الكتاب نفسه، وكتب الدكتور ناصر الدين الأسد (مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية)، بينما كتب محمد لطفي جمعة (الشهاب الراصدوغيرهم من أعلام الفكر والأدب حتى أن صديقه الدكتور محمد حسين هيكل (صاحب رواية زينب) انتقد طرحه وتعسفه في التعامل مع الأدب والشعر الجاهليين.

حُرِّقت كتبه في سوريا وقررت عصبة العمل القومي إحراق كتب طه حسين في ميدان عام، وفي حيثيات ذلك جاء: لأنه واحد من الذين يهونون أمر العرب ويصغرون شأنهم، ويرفعون الصوت بالدعوة التي يكرهونها ألا وهي الفرعونية، ولقوله: خضع المصريون لضروب من البغي والعدوان جاءتهم من الفرس والرومان والعرب أيضًا. صودر كتاب الشعر الجاهلي؛ فأصدر (في الأدب الجاهلي)، وهو نفس الكتاب، لكنه رفع منه فصلًا، وأضاف فصولًا، ثم فرَّ إلى فرنسا وأعلن في الصحف أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وفي عام 1932 نشط إعصار تسونامي الشعر الجاهلي للمرة الثانية، وسبب ذلك أن الدكتور عبد الحميد سعيد كشف لمجلس النواب طريقة اتبعها طه حسين؛ فكان يحرِّض بها الطلاب على نقد القرآن الكريم باعتباره كتابًا أدبيًا، وهذا ثابت في محاضر جلسات مجلس النواب لسنة 1933.

واعجب معي؛ فإن أحمد شوقي الذي جمع بين العروق التركية والكردية واليونانية والعربية! فجده لأبيه من أصل كردي، أما جده لأمه (أحمد عبد الحليم بك النجدة لي، نسبة إلى نجدة إحدى قرى الأناضول) فمن أصل تركي، وجدته لأمه جارية يونانية من المورة، وهي أسيرة حرب في جيش إبراهيم باشا؛ الذي أعتقها وزوجها لأحمد عبد الحليم. دافع شوقي عن العرب والإسلام والوحدة العربية، بينما طه حسين المصري الصميم، والذي نشأ في صعيد مصر، ثم تعلم لفترة بالأزهر، لم تقبل نفسه الانتماء للعرب بأي حال، ثم ها هو يقول: أريد أن أدرس الأدب العربي كما يدرس صاحب العلم الطبيعي الحيوانات والنبات، وما لي أدرس الأدب لأقصر حياتي على مدح أهل السنة وذم المعتزلة، من الذي يكلفني أن أدرس الأدب لأكون مبشرًا للإسلام أو هادمًا للإلحاد.

في الجزء الثاني نمسك بخيوط أخرى في توابع زلزال كتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي)، ونرى تأثير ذلك في حياته الفكرية ومعاركه الأدبية، وتحامله على مصطفى لطفي المنفلوطي، ومعركته الشرسة ضد تلميذه الدكتور زكي مبارك، ولماذا فصله من الجامعة، ثم علاقته بتلميذه الدكتور محمد مندور، والصدام بينه وبين كلية دار العلوم ودور الدكتورين أحمد الحوفي ومحمد بخيت البهبيتي، وانتقاله بين الأحزاب المتعارضة وعلاقته بالعقاد، وكيف وصل إلى كرسي الوزارة، ولماذا لُقِّب بعميد الأدب العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!