بنصف عقل، وبرُبع ذكاء يمكن للمرء أن يُلاحظ بأن الحياة تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، والعلاقات الإنسانية تأخذ منحنى أكثر تداخلًا وتشابكًا. الأمر الذي يقتضي ظهور تغييرات، جذرية أحيانًا وسطحيةٍ أحيانًا أخرى، في كيفية التعامل وتنظيم هذه العلاقات، سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الدول.

وبنصفِ عقلٍ أيضًا نعي أن رصيد الإنسانية في المعرفة يزداد يومًا بعد يوم، فرصيدنا المعرفي اليوم أكثر وأكبر وأعمق من رصيدنا المعرفي قبل 10 سنوات مثلًا. وبالتالي فمشاكل الأمسِ التي كان يُنظرُ إليها باعتبارها مُعضلة صعبة الحل، باتت اليوم من أبسط الأمور. ومشاكل اليوم التي نراها صعبة الحل ستراها الأجيال اللاحقة كشكة الدبوس. فكما تنتج المعرفة الجديدة حلولًا، تفصحُ لنا في الوقت ذاته عن مشاكِلَ أخرى.

وبربع عقلٍ نلحظ أن احتياجات الإنسان تختلف من عصرٍ إلى عصر، وأعني هنا الاحتياجات المادية، وهذا يعني إحداث تغيير في شروط العيش. فكلما زاد تعقيد الحياة، تعقدت احتياجات الإنسان معها بالضرورة. وهذا يقتضي تغييرًا في نظرتهِ إلى المادة، وإلى قيمة الأشياء.

علاوة على ذلك فليس من الانصاف أن نحكم على حوادث الأمسِ بعيونِ وبالأرضية المعرفية لليوم، كما أنه ليس من المنطق أن نحكم على حوادث اليوم بعقلية الأمس. وذلك لأن العلل والأسباب اختلفت.

إلا أن هناك جماعات وأحزاب لا ترى ما استعرضناه سابقًا، وأعني هنا حزب التحرير على وجه الخصوص. وهو حزب إسلامي أسسه تقي الدين النبهاني، وينتشر في عدة دول في الشرق والغرب. ولست هنا في مقام عرض تاريخ الحزب، بل ما يعنيني فكره وأيديولوجيته بدرجةٍ أولى، وما أقوم به في مقالي هذا هو الانتقاد، وليس الاستهزاء أو السخرية.

ببساطة يدعو حزب التحرير إلى إقامة دولة الخلافة، وإلى تطبيق شرع الله. وفي كل سنة، نجده يذكر الناس بمرور كذا سنة على سقوط الخلافة، أي الخلافة العثمانية. ومنذ سقوطها، والعالم الإسلامي يتجرع الحسرات ويعيش الذل والمهان، وما نحن فيه اليوم من ضعفٍ وهوان هو لأننا لم نُحكِّم شرع الله! وانسلخنا عن ديننا! ورفضنا الخلافة! وساومنا وبعنا ضمائرنا لأمريكا والعدو الصهيوني! وانتشرت في أراضينا العلمانية، والرأسمالية! وخلافه. ولا سبيل للعودة إلى أمجادنا إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة دولة الخلافة مرة أخرى.

والقارئ لكتبهم ومقالاتهم، وحتى منشوراتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، أو المستمع لخطبهم وندواتهم يستطيع أن يلمح سذاجة وسطحية كبيرة في طرحهم وفي خطابهم الذي يصدرونه للآخرين، الذي لا يكاد يختلف عن طرح السلفيين، والوهابيين، والإخوان، والدواعش. ومع هذا التشابه الكبير في طرحهم، الذي يكاد يكون متطابقًا، إلا أنهم يختلفون فيما بينهم، فهذا ضال عند ذلك، وذلك ليس بشرعي عند ذلك، وهذا فاسقٌ عند هذا. فكل يرى نفسه مسلمًا حقًا، ويرى نفسه الأصل والأحق والأقوم والأصلح لحمل راية الإسلام والخلافة!

هو طرحٌ رومانسي عاطفي يكاد يخلو من أية نزعةٍ منطقية تخاطب العقل، طرحٌ بالٍ لا يُحرك فيك ملكة التفكير، ولا يُخاطبكُ بصفتك كائن عاقل، أو بصفتك إنسانٌ مُتعلم ومثقف، تحترم عقلك وتحترم كل من يحترم عقلك. لا! بل هو طرحٌ يريد منك أن تكون ميت العقل، جيَّاش المشاعر والعواطف، تبكي دون أن تفهم لماذا تبكي! وتغضب دون أن تفهم لماذا تغضب! وتسعدُ دون علمٍ بدواعي السعادة! فلا تكاد تخرجُ من الخطبة أو الندوة، حتى يتبخر كل ما سمعته. وتعود إلى بيتك بخفي حُنين، لا تحمل فائدة واحدة مما سمعته.

الصراخُ ورفعُ طبقة الصوت، والتشدُّق بعباراتٍ فصيحةٍ رزينة هو ما تلحظهُ أمامك، ومواضيع الخطبة أو الندوة يُمكنك التنبؤ بها سلفًا. فهي محصورة في الخلافة، أو انتصارات وأمجاد الماضي، أو لباس المرأة، أو الديمقراطية، أو أمريكا وذيولها وبضعة مواضيع أخرى. ولو فتحت كتابًا تم تأليفهُ قبل عشرين سنة يتحدث عن حرمانية الديمقراطية من وجهة نظر إسلامية، ستعجب من مدى التطابق بين ما هو مكتوبٌ في هذا الكتاب، وبين ما تسمعه في الخطبة أو الندوة! هذا لأنهم رفضوا سُنَّة التغيير والتطور، وارتضوا أن يتوقف الزمان عند نقطة معينة. وبالتالي فهُم يعيشون في القرن الحادي والعشرين بعقلية القرن العاشر أو الثامن. وستجدهم كذلك في القرن الثامن والستين.

استمعت مؤخرًا لمقطعٍ لأحد كوادر حزب التحرير يتحدث عن الرأسمالية، فقلت في نفسي لعله سيفندها وينقضها من وجهة نظر اقتصادية بحته، وسوف يستند إلى آراء خبراء اقتصاديين أمريكيين وغربيين مرموقين، وسيعتمد على آخر الأبحاث العلمية التي تؤكد خطورة الرأسمالية على البلاد، ثم يبدأ بتفنيدها من وجهة نظر إسلامية، محاولًا تناولها من زاوية مختلفة لم يُتعرض لها من قبل، فيأتي بذلك بالجديد المفيد.

وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى أدركت بأن حديث نفسي مع نفسي كان أضغاث أحلام، حيث قال: «بأن سبب شقاء الأمة الإسلامية هو النظام الرأسمالي الذي يحكم العالم، فكل العالم يئن تحت وطأته، الذي لا يقيم للدين والأخلاق وزنًا، ولا يقيم لله حُكمًا. نعم! ألا تروا في أمريكا ماذا يحصل من أحداثٍ هناك». وبالطبع، لم يذكر ما الذي يحدث في أمريكا من أحداث، ثم أتبع قائلًا: «لأن كل العالم يشتاق إلى عدل الإسلام ورحمته». والعبارة السابقة تدلل على أن طرحهم رومانسي عاطفي لا يقيم للعقل وزنًا، ولا يهذبه ويثقفهُ بجلب الحقائق ومقارعتها الحجة بالحجة. فهو خطاب يريد منك أن تكون بليدًا، تهز رأسك بالموافقة والتأييد، أي أنه طرحٌ يُراهنُ على جهلك وقلة وعيك، يحشو عقلك بما يُريد هو، لا بما ينبع من قناعتك وما يستقر في وجدانك.

وبعد قوله: «لأن كل العالم يشتاق إلى عدل الإسلام ورحمته»، ضرب الخطيبُ مثالًا – اعتقدتُ بأنه سيكون مثالًا حديثًا – فقال: «كما سأل قائد الفُرس ربعي ابن عامر – رضي الله عنه – ما الذي جاء بكم؟ قال: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جورِ الأديان إلى عدل الإسلام ورحمته». ثم أعاد قولة أن العالم كله ينتظر عدل الإسلام، وقال: «العالم ينتظر خليفةً راشدًا على منهاج النبوة يقيم فينا الدين، يمنع المعاصي ويمنع الفواحش». ثم قال: «فيرتفع عنا كل هذا». وبالتالي فإن مشاكل الدنيا بتعقيداتها وتشابكها وتطورها ستُحلُّ بإقامة دولة الخلافة! الأمر بسيطٌ إذًا.

وفي لقاءٍ لكادرٍ آخر من حزب التحرير، وهو لقاء عُني بمناقشة منهج حزب التحرير، وموجود على منصة يوتبوب. يقول الكادر:«أننا مُطالبون باقتفاء أثر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالطريقة الشرعية التي أقام بها الإسلام وأقام بها دولة الإسلام. كما لا يجوز لنا أن نجتهد بالطريقة الشرعية لإقامة حكم الله في الأرض». ثم يقول: «والطريقة الشرعية هذه في إقامة حكم الله في الأرض موجهةٌ أولًا للرسول عليه الصلاة والسلام، وللصحابة من بعده، ولمن بعدهم من المسلمين ممن وجدوا في بيئة كبيئة الرسول – صلى الله عليه وسلم – لا إسلام، لا دولة، لا حُكم بما أنزل الله». وأريد منك أن تضع مئات الخطوط أسفل عبارة «من المسلمين ممن وجدوا في بيئة كبيئة الرسول – صلى الله عليه وسلم – لا إسلام، لا دولة، لا حُكم بما أنزل الله».

يُفهم من العبارة السابقة أن «المسلمين» هُم أتباعُ حزب التحرير أصالةً، ومن ليس من حزب التحرير فهو كافر، أو على أقل تقدير فاسق. و«ممن وجدوا في بيئة كبيئة الرسول» أي بيئة كُفر وشِرك، ويعني ذلك الدول الإسلامية كافة، كونهم دول لا تُطبق شرع الله ولا تحكم بما أنزل الله. فأتباع حزب التحرير يفرّقون بين الدول الإسلامية والبلاد الإسلامية، فالأولى يرونها نظام الحكم، والثانية يرونها القاطنون أو السكان. وبالتالي، فلا يوجد دول إسلامية، بل بلاد إسلامية.

يتضح لنا، بأن طرح حزب التحرير لا يتسم فقط بالسذاجة والرومانسية الفارغة، بل بالخطورة أيضًا. رغم أنهُ حزبٌ لا يرى العمل المُسلح لتحقيق غاياته – كما يصف نفسه. فأيديولوجيته تتغذى على جهل الناس وقلة وعيهم، فلا تجد مكانًا خصبًا تتكيف فيه سوى العقول الميتة.

ودعنا نفترض أن حلم الحزب تحقق، واستطاع اختصار مراحله الثلاث: «التثقيف، والتفاعل، واستلام الحكم»، واستولى على حكم دولةٍ ما، وأسس فيها دولة الخلافة. وألغى كافة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإقليمية، وأطاح بالبرلمان وبمؤسسات الدولة ووزاراتها، وألغى صفقات الأسلحة مع الدول المصنعة الكافرة، وقاطع المنتجات الفرنسية بسياراتها وطياراتها وحتى المواد الغذائية البسيطة. وألغى المناهج التعليمية، وقطع علاقاته مع دول الكفر والفسق والتشيع، وفعل وفعل! السؤال الذي يطرح نفسه: بأي ميكروفون سيلقون الخطبة؟ وبأي مسبحةٍ سيستغفرون الله؟ وبأي مركبةٍ أو دابةٍ سينتقلون؟ وبأي سلاحٍ سيقاتلون في سبيل الله؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد