هل ستكون جزيرة تايوان مفتاح حرب عالمية جديدة؟

في ظلِّ النظام العالميِّ المُتصف بـ«الفوضوية» في طيات النظرية الواقعية، نجد انعدام الثقة، والمصلحة، والعقلانية إطارًا لخيارات الدول في سبيل بقائها، وأما الأمن فمتاحٌ من بوابة توازن القوى. هناك دول عظمى تتخطى فكرة التوازن، ولا يُشبع نهمها إلا تحقيق الهيمنة، التي تجدُها الإستراتيجية المثلى للبقاء المستقر. في عالمنا دولة مهيمنة «مبدئيًا» وهي الولايات المتحدة، بجانبها دولٌ صاعدةٌ، على رأسها الصين التي تشير الدراسات إلى أنها ستتجاوز الولايات المتحدة اقتصاديًّا خلال السنوات القليلة القادمة، بل يجد بعض الساسة الأمريكيين، أنها ستكون «في حال لم يتم احتواؤها»، في المرتبة الأولى عسكريًّا. هذا المقال، سيسلط الضوء على جزيرة تايوان، بصفتها البؤرة التي تمثل نقطة ارتكاز في أتون الصراع الأمريكي الصيني، وقد تكون الحبل الذي يأخذهما إلى فخِّ ثوسيديدس.

في السبعينيات، ظهر تطبيعٌ بين الصين وأمريكا، لسببين: الأول: احتواء الاتحاد السوفيتي، الذي كان يشكل خطرًا عليهما. الثاني: هو تحقيق لمصالح اقتصادية متبادلة. أكدت أمريكا حينها أنَّ شكل العلاقة بين تايوان والصين «دولة واحدة بنظامين». هذا الشعار أضحى ديدنًا للخطاب الأمريكي ردحًا منَ الزمن، ولكن الحال تغيَّر بعد تنامي هواجس واشنطن من الصعود السريع لبكين، مما دفعها لتعزيز وجودها في تايوان، وهذا أدى لظهور حركات انفصالية في تلك الجزيرة، وهذا ما يقلق ويغضب الصين.

بإيجازٍ عن أهمية جزيرة تايوان، وبعيدًا عن أهميتها الاقتصادية الكبيرة، تبرز أهميتها الجيوستراتيجية أساسًا في الإستراتيجيات الأمنية للصين، فهي تحميها من العدوان الخارجي، كون الجزيرة تنتصف بين بحري الصين الشرقي والجنوبي، وتقترب من شواطئ الصين 80 كيلومترًا. الولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى ترمق الجزيرة بعين الأهمية لها ولحلفائها شرق المحيط الهادئ؛ فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يمثل ضمانًا أمنيًّا يبعدُ الخطر الصيني عن حلفاء أمريكا، واليابان في طليعتهم. كلا العملاقين يعتبران الجزيرة تشكل أهمية جيوستراتيجية بالغة الأهمية، لذا يرفضان التنازل عنها، لتؤكد الصين مبدأ «دولة واحدة بنظامين»، مقابل سعي أمريكي لدعم انفصال تايوان عن التنين الصيني.

في خضمِّ الصراع الأمريكي الصيني، الموصوف بالحرب الباردة من بعض خبراء العلاقات الدولية، انتشرت بعض الدراسات التي تتوقع وقوع صدام عسكري بين العملاقين، لعلَّ «فخ ثوسيديدس»، هو الدليل النظري للاستدلال بذلك.

فخ ثوسيديدس، هو وصفٌ يشير إلى حتمية الصراع بين قوة مهيمنة وأخرى صاعدة، يستدلون به من المفكر ثوسيديدس، الذي تحدث عن الحرب «البيلوبونيسية» التي حدثت بين إسبرطة المهيمنة وأثينا الصاعدة، فالأول خاض حربًا مع أثينا لوقف صعودها، وخوفًا منها، وهذا ما عبر عنه ثوسيديدس «لقد كان صعود أثينا والخوف الذي غرس في إسبرطة هو الذي جعل الحرب أمرًا لا مفر منه». إنَّ الأحداث المتشابهة حول العلاقة بين المهيمن والصاعد حدثت خلال 500 سنة 16 مرة، منها 12 ذهبت لصدام عسكري، فهل الصراع على جزيرة تايوان ستكون شرارة الوقوع في فخ ثوسيديدس؟ أعتقد أن هناك ثلاثة سيناريوهات:

الأول: سيناريو استمرار والتأكيد على مبدأ صين واحدة بنظامين، فلعل حكم جو بايدن للبيت الأبيض، سيغيِّر النهج العدائي لاحتواء الصين. لكن هنا يتوقف الأمر على طرفي الصراع، فهل ستتجه أمريكا لتقليص الصراع في الهادئ عن طريق تأكيد عدم انفصال تايوان وداعمها لاستمرارية مبدأ صين واحدة بنظامين؟ في المقابل هل ستبقى الصين تؤكد ذلك المبدأ؟ أم أنها ستُقدم على تجاوزه، لصالح ضمِّ تايوان بشكل كامل؟

الثاني: سيناريو تقبُّل أمريكا اختلال توازن القوى في الهادئ. ويكون بانفصال أو شبهِ انفصال تايوان عن الصين، نتاج لذلك ستقوم الصين بغزو تايوان، وهذا سيُخلُّ توازن القوى في الهادئ لصالح الصين، الرد الأمريكي سيقتصر على شنِّ عقوبات مختلفة، وحربٍ تجاريةٍ لتتطور لحربٍ باردةٍ، لكن لن تذهب لصدام عسكري، وذلك لسببٍ اقتصادي وآخر أمني، وخلال فترةٍ وجيزة ستتقبل أمريكا اختلال توازن القوى في منطقة الهادئ.

الثالث: سيناريو الوقوع في فخ ثوسيديدس. الشرارة ستبدأ في حال انفصال تايوان عن الصين، ليرد الأخير بغزو تايوان، وهذا سيُحدث خللًا بتوازن القوى في الهادئ لصالح الصين، الرد الأمريكي سيكون عسكريًّا لوقف تنامي صعود الصين، فأمريكا تسعى للحفاظ على النظام عالميًّا أحادي القطب، وهنا تدخل تلك المنطقة في صراع إقليمي سيتحول إلى عالمي، قد يوقع العالم في دوامة حرب عالمية ثالثة.

أعتقد أنَّ السيناريو الثالث مُستبعد، وذلك بسببِ «عقلانية الفواعل الدوليين»، فكل من أمريكا والصين تدركان حجم الخسائر الهائلة التي ستنتجها مثل هذه الحرب، لهذا سيتجنبان حربًا سيخسر بها الجميع، وسيمتد أثرها الهائل دول العالم أجمع، بل قد تسير إلى إشعال حربٍ عالمية ثالثة. وأربى عقلانية الدول كون العملاقين يمتلكان القوة النووية، فيزيد التَوجُّس من احتمالية حدوث حربٍ نووية. لهذا الصين وأمريكا، بجانبهم دول العالم، يسعون لتجنُّب الوقوع في فخِّ ثوسيديدس.

أتوقع أنهما يسيران نحو السيناريو الثاني. فبرغم عدم تقبل أمريكا – حاليًا – اختلال توازن القوى في الهادئ لصالح الصين، وسعيها لوقف تنامي صعود الصين، فإنَّ الهدف يصعب تحقيقه إلا بالطريقة العسكرية، التي ستلحق ضررًا كبيرًا للولايات المتحدة وللعالم، وقد تُذهِب لكارثة عالمية، لهذا أتوقع أن أمريكا ستتقبل في النهاية اختلال توازن القوى في الهادئ لصالح الصين. أعتقد أن غزو الصين لتايوان هي مسألة وقت، فالصين تهدف إلى ذلك منذ القدم، العائق أمام ذلك هو التخوف من الردِّ الأمريكي، لكن الصين اليوم تمتلك من القوة ما يمكنها من غزو تايوان، وردع أمريكا التي لن يتجاوز ردها على ذلك الحرب الباردة. لعلَّ عدم تمكن أمريكا من وقف تنامي صعود التنين الصيني، تشير نحو تقبلها- سلميًّا – سقوط الأحادية القطبية لصالح ثنائي أو تعدد القطبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد