تعز المدينة التي أنهكتها الحرب وما زال شعبها يدافع عنها حتى اللحظة، لكن هناك من يعاني وهو لا يستطيع التحدث لأحد خوفًا من المستقبل وما سيخبئه له ولأبنائه لذا فهو يفضل ذكر قصته دون ذكر أسمائهم الحقيقية.

أم أحمد امرأة في الستينيات من العمر كانت تعيش في إحدى مدن تعز مع زوجها وابنتها نسيبة وابنها أحمد. ولداها الاثنان يعانون من ضمور في العقل وهما الآن في العشرينيات من العمر، كان زوج أم أحمد يعمل جاهدًا ليل نهار ليحصل على مبلغ معين ليشتري به علاجًا لأبنائه، عاشوا في المزارع والحقول سنوات عديدة لكن ما أن بدأ فتيل الحرب يشتعل في مدينة تعز حتى قُتِل أبو أحمد بقذيفة توسطت في جسده المنهك وهو في الستينيات من العمر.

لم تستطع أم أحمد العيش في مدينة تعز بعد أن شاهدت الدمار والخراب والتهجير للأهالي، لقد أصبحت وحيدة على الرغم من وجود ولديها معها إلا أنهما يثقلان كاهلها وهي مُسنّة لا مأوى ولا رفيق درب ينقذها وولديها من جحيم الحرب، فقد رحل من كان عونًا لها وتركها تعاني مرارة العيش والحصار وحيدة، رأت الناس يرحلون متجهين إلى أماكن تأويهم من الانفجارات لكنها بعد فترة وجيزة تسمع أن أولئك الناس لم ينجوا حتى بعد رحيلهم، فقررت بعد ذلك الرحيل إلى صنعاء.

من جحيم إلى آخر هكذا شرحت أم أحمد حالها قائلة: «كنت أرفع يدي كل يوم إلى الله مؤمنة محتسبة ولم أمدها يومًا لأحد غيره على الرغم من فقر حالنا، وكان زوجي عزيز النفس رغم قسوة الحياة ومعاناة أبنائنا من مرضهم، ولكنني أجبرت على أن أموت مع ولديّ ونحن على قيد الحياة؛ فبعد رحيلنا إلى ضواحي صنعاء وصلنا إلى مخيمات النازحين، وأصبحنا لاجئين في وطننا، بدأنا حياة جديدة تحت ما يسمى بالخيمة التي ما لبثت إلا أيامًا قلائل حتى أصبحت شبيهة بالخيمة وبدأت معاناتنا الأخرى».

حين وصلت أم أحمد وولداها إلى المخيم لم تكن تجد ما تأكله ولا يوجد من يعطيها شيئًا فكل من كان في المخيم لا يجدون إلا قوت يومهم أو لا يجدون مثلها. بدأت تفكر مليًا بأنها سوف تموت وولداها جوعًا دون أن ينظر إليهم أحد، فما الذي سوف تفعله لإنقاذ ما تبقى من حياتهم، فقررت أن تتسول في الطريق العام لجمع المال ثم تعود لتشتري به الخبز والماء الصالح للشرب فخيمتها لا يوجد فيها ماء صحي ولا يوجد لحاف يقيهم برد الشتاء، ولم تعد تلك الخيمة تظلهم من الشمس وحرارتها فقد أصبحت هزيلة كما أصبح جسد تلك المسنة.

أخيرًا تتحدث أم أحمد بحزن شديد: «أنا لم أتسول يومًا ولم أكن أريد أن أقوم بذلك ولكن من سينقذني وأبنائي من الجوع، فأنا لم أعد أستطيع شراء الدواء لهم ولا أستطيع أن أحفظهم بعيدًا عن الحشرات والزواحف المنتشرة في تلك المنطقة، ولا يوجد مكان يقضون به حاجتهم، والأهم من ذلك لا أستطيع أن أغيب عنهم أكثر من ساعة لأنهم كما الأطفال لا يعون ما يصنعون وأخاف أن يصيبهم مكروه بغيابي وأنا أبحث عن لقمة عيشهم».

أم أحمد تريد العيش لأجل أبنائها المعاقين ذهنيًا، ولا تريد أن تفقد حياتها وتتركهم وحيدين يواجهون مرارة العيش التي تمر بها الآن، ولا يرعاهم أحد من بعدها.

إنها الحرب التي لا ترحم ولا تأوي أحدًا، ولا تهتم بمرض أحد، ولا تحفظ شيخوخة أحد، لقد أشعلوا فتيل الحرب وقتل الكثير بسبب ذلك، شرد الملايين، إن الضحايا كثر والمتسبب ما زال يحرث في الماء ويريد أن ينبت منه نخلة مليئة بالتمر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد