يعتمد كثير من نقاد الفكر الإسلامي والمتفرغين للتصيّد للإسلام بأصوله، ورسالته، ومنهجه، ورجاله، في ماءٍ عكرٍ من الشبهات، ولعلّ أبرز هذه القضايا المثارة حول الإسلام هي قضية «التجديد»، وخطاب علمنة الإسلام واقعًا اجتماعيًّا وسياسيًّا وفصله إلى إسلام العبادات الذي لا يغادر باب المسجد، وينحصر في العبادات الفردية فحسب، والقسم الآخر وهو باقي تعاليم الدين التي يُراد الإيضاح بأنها -بحسب زعمهم- قوانين خاصة بزمان غابر مضى ولن يعود؛ ولا يُلائم عصرنا الحالي، عصر الحداثة والتقانة المعرفية، وقد جوبه هذا الفكر بحائط سد تحت عنوان: «الإسلام يصلح لكل زمان ومكان».

ولا خلاف على هيكل الفكرتين، فكرة أن الأمة المسلمة تحتاج إلى التجديد ونفض غبار ما علق بها من عادات يخيّل للناس أنها عبادات، وما ترسب على قيعانها من ترهلات فكرية أثقلت تقدمها، وبين الدعوة إلى الحفاظ على الدين الإسلامي روحًا لجسد الأمة وعقلًا وقلبًا، والاستفادة من مساحة التجديد التي وضعها الشرع لكي تواكب عصرك، والثبات عند أصول دينك كي لا تنسلخ منه فتفقد الأمة خيريتها المرتبطة بالإسلام.

إذن لا بدّ قبل الخوض بأي بحث تجديدي التأكيدُ أن الأمة بلا إسلام صفر على شمال الأمم، وعزة أمتنا بإسلامها فلا تُبتغى العزة بغير ذلك.

وهنا السؤال الأهم والذي ينبغي الوقوف عنده: متى يكون التجديد ضرورة ملحّة، ومتى يكون ترفًا فكريًّا؟

التجديد الضروري

هو التجديد الذي يُراد به نفض الغبار عن جسد الأمة وجبر كسورها، وهذا التجديد أمر قدري يتكرر في كل قرن، ودليل ذلك حديث من الأحاديث الصحيحة المشهورة، يرويه الصحابي الجليل أبو هريرة – رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال :

«إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا». رواه أبو داود (رقم/4291)

فخطاب الإسلام يتجدد باختلاف الطبقة المخاطبة والمجتمع المستهدف بالخطاب، ويتعلق بزمان الخطاب ومكانه، ومن ذلك نفهم أن التجديد ضرورة.

قال ابن مسعود: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة». رواه مسلم

وفي صحيح البخاري قال علي -رضي الله عنه-: «حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟».

وهذا درس عظيم من دروس التجديد، فإن الخطاب الديني إن لم يكن مواكبًا للدرجة الاجتماعية، والعقلية، والفكرية، والمعرفية، للمجتمعات المخاطبة، سواءً كانت من داخل الأمة أم من خارجها، سيكون مفتاحًا لشر عظيم وفتنة أعظم، فإن جمود الخطاب الديني قد يكون من أسباب تكذيب المجتمع لله ولرسوله، والعياذ بالله.

وفي ذلك أيضًا رد على المترفين فكريًّا، والباحثين عن التجديد، بنسف الإسلام ثم تشييد دين آخر يُناسب نظرتهم إلى الواقع والمجتمع، فإن الدين بمرونته هو يدعو للتجديد من داخله، ولا ينتظر آراء خارجية هدامة للعبث فيه.

عندما يكون التجديد ترفًا فكريًّا

هذا النوع من التجديد يطرح دعاته فكرة نسف الدين وتعاليمه، وفصله عن الدولة وسياستها، والادعاء أن هذا الشرع جزء من حقبة تاريخية مضت وانتهت. فهؤلاء يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويريدون أن تنسلخ الأمة من دينها ثم تستر عورة انسلاخها برقيق التمدن والتحضر الغربي، الذي لا يستر جسدًا، ولا يقي من حرّ أو برد.

وهنا أقول لكل من يسمع للمترفين الذين يهاجمون أصول الدين، ويدعون لنسف مسلّمات في الشريعة، لو نصحك اللص بكسر قفل منزلك، وترك النوافذ مفتوحة، وهو من سيحرسك، هل كنت لتطمئن له؟

وكذلك أصحاب التجديد الهدام، فإنهم لا يريدون للخطاب الإسلامي أن يواكب العصر ويناسبه؛ بل يدفعون به إلى حجره ونسفه واستبداله.

فإن آمنا أن التجديد ضرورة وهو من أساسيات الدين، وليس منّة من أحد، أو استجابة لنقد حاقد يريد أن يهدم الدين، يجب علينا أن ندرك من ومتى وكيف نجدد؟ وما آليات التجديد؟ وما مساحة التجديد في الدين وخطابه؟ وهذا ما سيكون زبدة لكلامنا في مقالات أخرى ذات صلة وتسلسل فكري وتأصيلي، إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)