كنت أتجول بمنطقة عرض الأثاث المكتبي بأحد المتاجر الشهيرة وكانت هي منهمكة في تفحص أحد قطع الأثاث بعناية، كانت تدقق في كل التفاصيل بتركيز وجدية شديدين وعدم اكتراث لما حولها من ضجيج، كانت امرأة أجنبية؛ أوروبية الملامح على مشارف عقدها السابع من العمر؛ تشي بذلك علامات الزمن على وجهها، وبينما هي تُكمل جولتها في ردهة المتجر كنت واقفة أتحدث إلى زوجي ويبدو أنها كانت مسرعة في سيرها أكثر مما ينبغي فكادت أن تصطدم بنا، فتوقفت السيدة فجأة في اللحظة المناسبة ثم ابتسمت لنا ابتسامة ودودة قائلة بالإنجليزية: (كيف حالكم؟)، فبادلناها الابتسام ورددنا تحيتها شاكرين، وأكملت هي سيرها مبتعدة وهي تحمل نفس الابتسامة على وجهها.

قد يبدو الموقف عاديًّا وبسيطًا ولا يحمل بداخله شيئًا مثيرًا للاهتمام؛ لكنه بالنسبة لي لم يكن كذلك، فلا أدري هل من سوء حظي أم حسن حظي أنه وبعد حدوث ذلك الموقف بدقائق معدودة وبينما أسير في نفس المكان ارتطمت بقدمي من الخلف عربة تسوق كانت تقودها إحدى السيدات لكنها في هذه المرة لم تكن أجنبية بل كانت عربية من بني جلدتنا ثم قالت لي بشكل تلقائي آلى يخلو من أي ود – بينما تكمل سيرها بدون توقف – (آسفة) ،وحقيقةً كنت متألمة لدرجة جعلتني لا أستطيع أن أتفاعل معها بأي شكل من الأشكال، وكنت مستاءة من ردة فعلها بدرجة جعلتني أبدو متجهمة على غير عادتي، أو ربما أن تجهمها انتقل إلى بشكل تلقائي خلال الهواء فانعكس على ملامحي تمامًا كما انتقلت إليّ ابتسامة السيدة الأجنبية، وأيا ما كان فالموقفان على تناقضهما أو ربما بسبب تناقضهما أثارا في نفسي الكثير من الأمور التي دائمًا ما أفكر بها وأعقد المقارنات مابين سلوكنا المحلي وسلوك الأجانب في التعامل الإنسانى اليومي، لكن ربما حدث لي هذان الموقفان معًا وفي نفس المكان والتوقيت لأنه حان لي أن أكتب ما يشغلني في هذا الصدد وأشاركه معكم.

يحدثُ كثيرًا أن تجد في الأماكن العامة من يسير مسرعًا فيصطدم بك ثم يكمل سيره دون اكتراث وكأنه اصطدم بهواء، وعلى أحسن التقديرات فقد يقول لك متجهمًا على عجالة: آسف، دون أن يتوقف ودون أن يتأكد هل أصابك مكروه أم لا -تمامًا كما حدث معي-.

أو قد تجد تعاملًا جافًا بين الناس في الأسواق والمواصلات والطرق، ومؤكد سوف تجد التجهم هو سيد الموقف فلا أحد لديه وقت لتوزيع الابتسامات على الآخرين فقد يجده البعض مبالغة أو ضربًا من الجنون، وعكس ذلك كله تراه في المجتمعات الغربية أو في التعامل مع الأشخاص القادمين إلينا من هذه المجتمعات.

لذا أتساءل؛ ماالذى ينقصنا كي نكون أكثر لطفًا في التعامل مع الآخرين حتى لو لم نكن نعرفهم، وما الذي يجعل الأجانب أرقى وألطف في التعامل الإنساني، وهل حقًا صدق فيهم وفينا مقولة الإمام محمد عبده حين زار أوروبا في مؤتمر باريس عام 1881 حين قال: (ذهبت للغرب فوجدت إسلامًا ولم أجد مسلمين، ولما عدت للشرق وجدت مسلمين ولم أجد إسلامًا)، في إشارة للفارق الشاسع بين السلوك المجتمعي والتقدم والرقي لكلا الفريقين، وهنا أود أن أشير إلى أنني لست من المفتونين بالغرب بل أوقن تماما أن الكثير من أدوات دمار البشرية تأتي من هناك، وأوقن أيضا أننا خير أمة لكننا عطلنا أسباب الخيرية وأن لدينا من قيم الدين مايجعلنا قادرين على التفوق عليهم، أو على وجه الدقة استعادة التفوق الذي أضعناه، كل ما هنالك أنني أود وضع الأمور في نصابها وتسليط الضوء على تلك الهوة العميقة بين سلوكنا المجتمعي وسلوكهم، وأتحدث هنا عن الضوابط والأطر العامة التي تلتزم بها المجتمعات الغربية، وعن التعاملات الراقية في العمل وفي الحياة والتي قد يكون منبعها الأصلى سلطة القانون ثم ما لبثت أن صارت عادات متأصلة لديهم، فتفرز لنا ما نرى من حضارة مصحوبًا بكل السلوكيات الكفيلة بامتلاكهم لزمام الدنيا كما هو حادث الآن ومنذ عدة قرون.

ومن عجيب الأمر أن السيدة الأجنبية التي أشرت إليها في بداية حديثي قد بادرتني في ثانية واحدة وببساطة وتلقائية من اعتاد ذلك السلوك بقيمتين من قيم الدين نفتقد اعتيادهما في مجتمعاتنا؛ (الابتسام وإفشاء السلام).

هي ألقت السلام بطريقتها حين سألتنا كيف حالكم، ولكن نحن لدينا الطريقة الأروع والأجمل لإلقاء السلام فهو من الأمور التي حث عليها الدين بل أثاب عليها جزيل الأجر؛ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ» .رواه مسلم.

فإلقاء السلام سنة لإشاعة الحب بين الناس ورد السلام واجب وفرض علينا، ولولا أهمية هذا السلوك في تماسك أفراد المجتمع وتآلفهم وترابطهم ما أفرد له النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث، إذن ما أسهل إفشاء السلام وما أكثر من يهملون أمره ويقصرون فيه، ما أسهل أن نلقي السلام على كل من نقابل في المصعد، في البناية التي نسكنها، في العمل، وفي البيت عند الدخول والخروج، نحن في كل الأحوال نعيش فلم لا نعيش بإحسان.

لم لا نكون دائمي الابتسام لمن حولنا؟ فالابتسامة فعل بسيط لا يتعدى مجرد انبساط محسوب لعضلات الوجه لكنه يحمل الكثير من المعاني، الابتسامة لمن حولنا من أهل وأصدقاء ومعارف تبعث رسالة مفادها أحبك، أسعد لوجودك هنا، أمتّن لك، ولمن لا نعرفهم فالابتسامة تقول: أحمل لك كل خير وسلام.

والابتسامة من الأمور التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ( تَبَسُّمُك في وَجْه أَخِيك لك صدقة) رواه الترمذي. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليوصي بشيء إلا لأهميته الشديدة وأثره الكبير في استقامة الحياة، بل لقد بشر من يفعله بأجر الصدقة، فالابتسامة سلوك راق يبث الراحة في النفوس وينشر السلام النفسي بين الناس في المجتمع، وعكس ذلك تمامًا تجده في العبوس والتجهم:

أخو البِشْرِ محبوبٌ على حُسْنِ بِشْرِهِ ولن يعدم البغضاءَ منْ كان عابسا

ولأن النفس البشرية جبلت على حب من يحسن إليها ولأنها أيضا شحيحة بما لديها فقد حلت لنا السنة النبوية هذه المعضلة وهذا التناقض البشري حيث قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق) الألباني.

إذن نحن لدينا من قيم الدين ما هو كفيل بأن يضبط لنا حياتنا وتعاملاتنا المجتمعية وعلاقاتنا مع من حولنا، ولكن للأسف انتشر بيننا الكثير من السلوكيات التي تتنافى مع مع ما يُفترض أن نكون عليه، نحن تمامًا كمن لديه كنز ثمين في جرة مخبأة يعلوها التراب وهو مسكين يندب حظه ويشكو فقره مع أن الحل لكل مشاكله يكمن إلى جواره أقرب إليه مما يتصور، ليس بينه وبين أن يكون غنيًّا إلا جهد يسير، فقط يمسح التراب عن الجرة ويخرج ما  بداخلها ويستخدمه.

نحن نحتاج إلى أن نزن أمور التعاملات الإنسانية بميزان أكثر دقة وحساسية، وإلى أن نقدر حسن الخلق ولين الجانب وبسط الوجه تقديرًا يظهر بشكل عملى في سلوكياتنا ومعاملاتنا، العبادات في الدين هامة ولكن ليست وحدها ما يثقل موازين العبد أو يعطيه جواز المرور في اختبار هذه الدنيا، فلقد أعطى الدين للمعاملات ولحسن الخلق مكانة رفيعة ترفع معها صاحبها في الدرجات أو تهوى بمن خالفها إلى مهاوي الخذلان والسخط.

في كثير من الأحيان أشعر بالإشفاق تجاه هؤلاء المتجهمين الذين يحرمون أنفسهم من معاني جميلة هم بحاجة إليها ربما أكثر من غيرهم،وللأسف فإن هناك سلوكيات وأحوال تنتشر في المجتمع من المركز إلى المحيط؛ من الأب والأم إلى أطفالهم، من المدير في العمل إلى مرؤسيه، من زملاء الدراسة والعمل والجيران إلى بعضهم البعض، ومن ثم إلى المجتمع بأسره، فالمجتمع هو أنا وأنت وكل من تربطنا بهم علاقة وطيدة أو عابرة، إذن نحن نحتاج إلى الشعور بأهمية دور كل منا في اتخاذ فعل إيجابي.. خطوة بسيطة لحل مشكلةٍ ما ومؤكد أن مجموع هذه الخطوات سوف يحدث شيئًا ما، تغييرًا ما، قد لا يحل المشكلة من جذورها لكنه على الأقل سيكون قد ألقى حجرًا في المياه الراكدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد