وكأن هذا العالم لا يريد لنا راحة، ولا يتمنى لنا مُستقبلًا – ولو حتى مزريًا – كهذا الحاضر الذي نعيشه، إرهابٌ هنا وهناك وأنظمة مُستبدة لا ترى فينا غير خدّام لهم إنما خُلقنا لنكون عونًا لهم في بطشهم، مجرد أدوات يستخدمونها أينما شاؤوا، وبين هذا وذاك نجد شعوبًا هزيلة لا تقوى على رفع شعار “لا”، اللهم إلا قليلًا يحاصرهم القمع، قمع الواقع والمجتمع قبل قمع الأنظمة. إننا تشربنا الاستبداد حتى الثمالة، لقد أرهقنا تقبل الظلم واستيعابه، لقد تملكت منّا السلبية بشكل متوحش، واستبد بنا الخوف.

أتحدثُ الآن كشابٍ تخطى عمره العشرين بقليل، شارك في ثورة الخامس والعشرين من يناير وفي داخله شيء، شيء من الطموح والأمل والرغبة في التغيير. هذا حال جميع من شارك في الثورة ولعله أصبح حال المصريين جميعًا آنذاك حتى هؤلاء الذين لم يشاركوا فعليًا في الثورة ولكن تشاركوا الحُلم والحرية.

عيش.. حرية.. كرامة إنسانية، رغم أنني كنت من أوائل المُشاركين، إلا أن فكرة استيعابي لحقيقة هذا الشعار وطبيعة هذه الكلمات لم تكن واردة، فحينها كنت طالبًا في الثانوية العامة ربما كان الظلم بالنسبة لي وقتها يتمثل في ظُلم المدرسين لنا في تصحيح الامتحانات، لم أكن أعرف أن هناك ظلمًا آخر واقعًا علينا أشد فتكًا وأقوى تأثيرًا، وأبقى عمرًا.

منذ يناير ٢٠١١ وحتى الآن مرّت مصر بأحداث جعلتني شخصيًا أرى ما لا رأت عيني وأسمع ما لم تسمع أذني من قبل وأجد ما لم يخطر على قلبي قط، إذ برجال دين يجعلون منه مطيّة ليصلون لكرسي زائل، وحرّاس وطن يقفون بالسلاح ضد تقدمه فقط لأن الحاكم لا يرتدي زيّهم البائس، يا فيها ياخفيها، هذه هي القاعدة الوحيدة الثابتة في عالم السياسة، وللأسف خفاها الجميع؛ الثورة طبعًا.

من يتحدث أن هناك ثورة فهو مغيّب لا يعرف أن شعبًا ارتضى أن يحكمه جاهل ثلاثين عامًا سيغضب – مثلًا – من آخر حتى لو استمر نفس الثلاثين. إنه المستحيل عينه، حتى لو كثُر عدد الطامحين في الحرية إلا أن أعين العسس التي كانت تبحث عن عبد الله النديم وأحمد عرابي عندما أرادا للثورة العرابية النجاح، ولكرامة المصري أن تسترد؛ ما تزال هذه الأعين مُتربصة ولها “مُخبرون” في كل “زنقة زنقة” ودار دار.

إذا كنت تعتقد أنني أمارس عليك رذيلة “الإحباط” فأرجوك ألا تتسرع في حكمك هذا، إنما أردت فقط أن أنبهك إلى بعض ما قد غاب عنك أو أردت قاصدًا نسيانه. إذا كنت تبحث عن سواد أعظم من الشعب ليساند ثورتك أو حتى يؤمن بالشعارات التي ستغير حياته هو للأفضل، إذا تحققت فأنت فعلا لا تعرف هذا الشعب. إن مواطنًا بسيطًا سيبيع ثورتك هذه يا عزيزي ومبادئها ببضعة جنيهات “عِلاوة” نظيرَ سكوته دون حتى أن يرى في هذا شيئًا من البلاهة، إن “الجنيه غلب الكارنيه” و”عض ثورتي ولا تعض رغيفي”.

كلامي هذا لا يعني الدعوة للقعود عن فكرة التغيير ولا حتى الثورة، ولكن رسالتي من هذا كله أن المجتمع لا يحتاج إلى من يحمل لواء ثورة ولكن شُعلة تنوير وقطار وعي، يحتاج هذا المجتمع إلى أشخاص يتحملون عبء التوعية، حتى يرسخ في نفوس الناس أن الكرامة أولى والحرية أهم.

والمجد للشهداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد