تعتبر المرأة في الإسلام ذاتَ شأنٍ عظيم، لم يسبق لدِين قبله أن أَولاهُ إياها، وذاتُ كرامة لم يسبق لشريعة قبله أن دعتْ إليها، وشدَّدت في صونها والذَّوْد عنها.

ولا ريبَ أنَّ هذا الشأن كان وما يزال خادمًا لهذا الدِّين؛ لأنَّ المرأة الكريمة جند من جنود الإسلام، تقوِّي صفَّه وترهب عدوَّه.

فلمَّا علم أعداء الإسلام ذلك نذروا حياتهم في سبيل تقويض هذا الشأن، وزعزعة هذا الرُّكن الركين، فلم يتركوا جهة من الجهات إلا ورمَوا منها سهمًا عساهم يظفروا بغنيمة تكون المسلمة ضحيَّتها، فألَّفوا الكتب، وأنتجوا الأفلام، ورسموا الكاريكاتورات، وسنُّوا القوانين.

لا لشيء إلاَّ لتُرى المرأة المسلمة مستسلمة لهم لا لربها، مذعنة لقوانينهم لا لشريعة دينها.

وكانت بداية البدايات بالحجاب!

فلا يمكن الحديث عن حرب أعداء الإسلام للإسلام من جهة المرأة، دون ذكر هذه الشعيرة التي استفزَّتهم، وأثارت حفيظتهم، كونه صمَّام أمان لها، ودرعَ حماية لا يقلُّ في أهمِّيته عن البروج المشيَّدة التي تحمي القلاع من حَملات المُغيرين، وأطماع الأعداء.

فحجاب المرأة هو كالسُّور للقلعة، والسياج للحديقة، والقشور للفاكهة.. ترتديه صونًا لها لا تضيقًا عليها، فالحجاب ليس تضييقًا عليها كما صوَّروه لها، وإنَّما هو حماية لها بدليل قوله تعالى: «ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ».

فما من امرأة عُرفت بالستر انكفَّ عنها الفسَّاق، بخلاف المتبرجة التي تدعو بتبرجها إلى التحرش بها؛ ذلك أن التبرُّج دعاية صامتة للتحرُّش.

ومن هنا كانت النقطة التي أفاضت الكأس؛ إذْ لمَّا علم الحاقدون على الإسلام قيمة الحجاب في الإسلام، ومدى دِرْعِيَّتهِ في الحفاظ على شرف المرأة من سهام الرذيلة، حاولوا التنقيص منه من أجل تشويهه.

فرأينا بالأمس من حاول إنزال الحجاب من الفرضيَّة إلى الفضيلة، ليوهموا المرأة المسلمة أنَّ قضية الحجاب ليست واجبًا تُثاب على إتيانه وتأثم على تركه، وإنَّما هو قضية زيادة في الأجر، من التزمت به زِيد في حسناتها، ومن تركته لم تأثم.

ثم لم نلبث بعد ذلك أنْ خرجتْ لنا جماعة أخرى لم يُرضها هذا الإنزال، فأرادوا إنزالًا آخرًا يُرضيهم وإن أسخطَ غيرهم، فقالوا: إنَّ الحجاب قضية اختياريَّة وليس إجبارية، فالمرأة مخيَّرة بين ارتدائه وبين العزوف عنه.

ثم خلفَ من بعدهم خَلْفٌ أرادوا إنزالًا يليق بأهوائهم، فقالوا: إنَّ الحجاب ليس فرضًا، وليس فضيلة، وليس اختيارًا، وإنما هو بدعة يهوديَّة ما أتى بها الإسلام من قرآن صريح، ولا وردتْ في حديث صحيح!

وهكذا وجدت المرأة المسلمة نفسها في غيابات جبِّ الشبهة، فاشتبه عليها الأمر في فرضيته من بدعيته، بل إنَّ من النساء مَن خلعته بعد ارتدائه، ونذرتْ حياتها في سبيل إثبات أنه وهمٌ أُلبس لباس الحقيقة، وحشوة أريد بها تحويل النساء إلى غرابيبَ سُودٍ، أو خيمات تمشي في الشوارع، الأمر الذي يُحَتِّم عليها خلعه، والتحرُّر منه؛ لأنه يحدُّ من حرّيتها، ويضيِّق خناق إبداعها!

وعلى هذه النغمة صاروا يُدَنْدِونَ.. ولا غاية لهم من وراء ذلك إلاَّ أن تُرى المسلمة كاسية عارية؛ لعلمهم أنَّ الفتنة التي أودعها الله في المرأة كافية لنسف دِين آلاف الرِّجال، فوجدوها سانحةً ذهبية، واختصارًا للطريق، فبدأوا بها ليُسقطوها، ويسقطوا بها الرجل المسلم، نهاية إلى سقوط الإسلام.

أمَّا أولئكَ النساء اللاتي كشفنَ ألاعيبهنَّ، واهتدَيْن للدُّسُم الذي دُسَّ في العسل، فلم يسلمنَ من هذه الحرب الضروس، ولم يتوانوا للحظة في المجيء إليهنَّ من كلِّ طريق تُنهضَ الشبه فيهنَّ؛ فاخترعوا لهنَّ الحجاب الشفَّاف، والملوَّن، والرقيق، والضيق.. فصار بذلك حجابهنَّ بحاجة إلى حجاب!

ومنهم من انتقل من شبهة تمييع حُكم الحجاب، إلى تمييع الحجاب ذاته، فصوَّروه على أنه مجرَّد قطعة قماش حاجبة للعقل وليس للشرف، وأنه غطاء للعقل، وليس للرأس.

وأنَّ المرأة ليست مطالبة بستر نفسها من أجل ألا تُثار شهوة الرجل عليها، وإنَّما لها أن تلبس ما تشاء، وله أن يملك نفسه، ويضبطَ شهوته، كأنَّما هم من خلقوا الشهوة، أو كأنَّما الشهوة كلبُ صيدٍ متى وأين أشير إليه أطاع!

فدخلوا بذلك إلى فطرتها، وأرادوا أن يسلخوها منها، بدءًا من كونها مخلوق عاديٌّ لا يثير الشهوة، وليست ملزمة بستر نفسها، وإنما الخلل في عين الرجل التي ترى، ونفسه التي تشتهي!

علمًا أن المرأة مخلوق فاتن بالفطرة والشرع والعقل والتجربة.. ولا ينكر ذلك إلا جاحد مُغْرِض، أو فاسق مُعرِض.

ومنهم من انتقل من نقطة تمييع قُمَاشِيَّة الحجاب إلى نقطة لا تقل خطورة عن سابقاتها؛ ألا وهي «المرأة ليست عورة»!

رغم أنَّ النصوص الحَدِيثيَّة متضافرة على عورة المرأة؛ وهذه العورة لا يُعنى بها التنقيص من خِلقتها، فخلقُ الله مكرَّم: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ».

وإنما يُعنى بها تحديد مواضع الستر.

فعندما يحدِّد الشارع عورة الرجل ما بين ركبتيه وسرَّته فإنه يدعوه إلى سترها، ومثل ذلك عند المرأة فعندما حدَّد عورتها بجسدها كلَّه عَدَا وجهها ويديها على خلاف في ذلك بين سادتنا الفقهاء، فإنَّ المقصد من ذلك إخفاء هذه العورة.

والآية صارخة في القرآن على ذلك، بل إنَّ القرآن عبَّر عليها بمعنى أرقى فقال: «وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا». فتأمَّل كيف عبَّر عن هذه العورة بلفظ الزِّينة!

فلو كانت المرأة عورة بالمفهوم التقليدي السائد في أذهان الناس، لما تزوَّجها الرجل، ولا واكَلَها، ولا خالطها.. ولرغبَ عنها وما رغبَ فيها، ومثل ذلك هيَ، ولكن هذا مناقض للفطرة، وما لهذا خلق الله الزوجين الذكر والأنثى.

وعليه فمفهوم العورة في أذهان الكثيرين مفهوم أعور بحاجة لمن يُعيد إليه بصره وبصيرته، حتى عند أولئكَ الذين يقولون صباح مساء للمرأة «اخلعي حجابكِ… فأنتِ لستِ عورة»، فقولهم حق أريد به باطل، لأن مناداتهم برؤية المرأة لنفسها على أنها ليست عورة تساوي قولهم بتبرُّجها، فالإسلام حينما أوجب الحجاب على المرأة فلأنها زينة ينبغي لها الستر، وليس لأنها عورة بالمعنى المسيء لها.

فجاء أعداء الإسلام ليوهموها أنَّ الإسلام يرى المرأة عورة؛ ولذلك فرض عليها الحجاب، لتنتفض في النهاية ضد حجابها، وضد إسلامها، وتُنصِّب نفسها حرَّة في ارتداء ما تشاء، وإظهار من جسدها ما تريد، وكأن الإسلام لما أمرها بالحجاب أراد تعبيدها!

والمتأمل هنا يلحظ مدى التناقض والجهل الذي وقعوا فيه، فهم يرفضون كونها عورة، من منطلق إساءة فهمهم للعورة؛ لذلك قالوا بأنها ليست مجبرة على ارتداء الحجاب.

ومن جهة يرون أنَّ الحجاب فُرض على المرأة لكونها عورة، وبالتالي فلا هي عورة ولا الحجاب فريضة.

ومن جهة يُسقطون فرضية الحجاب في الإسلام، ويرجعون أصوله إلى اليهوديَّة من أجل أن يُوهموها أنَّ هذا الحجاب لا يزيد عن كونه عادة وليس عبادة.

وكل هذه الجهات مقصدها واحد؛ هو تشتيت المرأة بحيث يختلط عليها الغثُّ بالسمين، والصحيح بالضعيف.. فتعيش حيرى فلا هي بحجابها مستمسكة، ولا التي استمسكتْ بحجابها هانئة به، بُغية حشرها في عنق الزجاجة.

وبعد هذه الشبه الخبيثة، لا بديل للمرأة للخروج من عنق الزجاجة إلاَّ إفهامها أنَّ الحجاب مسألة اتفق عليها خيار العلماء، وما اختلف فيه إلاَّ الرويبضيون الذين يفتون لحاجة في نفوسهم، أو لأن جهاتٍ أجنبية تُموِّلهم، فلا عجب عندهم أن تَلزمَ الشريعة فمها إذا ما نطق الدولار، فهم قد باعوا دينهم بدُنياهم!

وبناءً على هذه السياسات الإفتائية، والخرجات المُحْدَثة، خليق بالمرأة الكريمة أن ترى حجابها شرعًا أُمِرتْ به بعيدًا عن مقاصده التي شُرع لها، وعن الغايات التي جاء لتحقيقها، سواءً كان ذلكَ لستر عورتها، أو لستر زينتها، أو دَرءًا لإيقاظ فتنة الرجال بها.

فكلها غايات منطقية يُصدِّقها العقل، وتأنسُ به الفطرة، على خلاف التعرِّي الذي يُعدُّ انسلاخًا عن الفطرة، ومحاربة لله في نواهيه؛ إذْ لا حربَ بعد أن يأمر الله النساء بإدناء جلابيبهنَّ، ثم يخرجن كاشفات للرأس، حاسرات للوجه، كأنما نهيُ الله قرآن يتلى ولا يُعمل!

ولو أنها أرادت حُجَّة يطمئن لها قلبها، لكفاها من القرآن قوله تعالى: «أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا».

وحسبها من السنَّة قوله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر: «يا أسماء، إنَّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلاَّ هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفِّيه الشريفتين!

ومنه نخلصُ بالقول أنَّ المرأة المسلمة عورةٌ عورةَ زينة، لا عورة إنقاص؛ إذْ ليس في خَلق الله من يُعاب على نقصه، وإنما فيهم من يُعاب على قلة فهمه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد