أمر مثير للضحك بل للحزن أكثر منه؛ ذلك حين نعيش في عالم ذي وجهين، عالم تصفعك شياطينه صباحًا ليأتي الليل وإذا بهم أنبياء وقديسون يصلون من أجلك ويطلبون لك الرحمة،حال زاد من تعاسته أننا نُصفع بإراداتنا جهلاً وضعفـًا منا، وصمتًا وتآمرًا من ولاة أمرنا، حتى تجاوزت يد الشيطان كل الحدود وتمادت فأمعنت في بطشها وظلمها لنا.

وتأتي مشاهد قتل مئات الألوف من الأطفال في فلسطين، سوريا، العراق وغيرها، أولئك الذين مزقت أجسادهم الغضة رصاصات الديكتاتورية وصواريخها والوحشية الصهيوأمريكية متغذية على وقود الهوان والذل العربي، لتؤكد لنا أننا لا نختلف في طريقة عيشنا منها لو عشنا في إحدى الغابات الاستوائية أو الأمازونية؛ إذ في كلتا الحالتين سنسحق بفعل أنياب وحوش ضارية لا ترحم وسنذهب بشكل أو بآخر ضحية لشريعة لا بقاء فيها إلا للأقوى، أما الطريف في عالمنا هو أننا نُفترس ثم يأتي من سفك دمنا ليبكينا بعدها كذبًا ورياء لا أكثر، وهذا فعل من تعامى عن جريمة كان باستطاعته وقف مرتكبيها وردعهم عن الإتيان بالمزيد منا.

أما ما أوغل المزيد من الغصة والألم في النفس، فكان مشهد التحقيق المهين مع الطفل أحمد المناصرة، والذي جاءت فيه محاولات الطفل المستميتة في الخلاص من جحيم تحقيق فاق سنوات عمره بل فاق حدود الإنسانية وتجاوز كل القيم والأعراف، فبدا غاية في البشاعة والاستفزاز، وكأن جلادينا لم يكفهم بث مشهد تعذيبه خلال إصابته، بل أرادوا أن يثبتوا لنا أكثر أن العدالة -من قبل البشر -على هذا الكوكب صارت ضربًا من خيال، وأننا نعيش في ديستوبيا خبيثة، الكلمة الفصل فيها ليست إلا للجلاد.

لا تحتفلوا باليوم العالمي للطفل بعد الآن

وعلى النقيض وبعد كل هذه المآسي، يأتي يوم نرى فيه العالم يتهيأ بوقاحة للاحتفال بحقوق الطفل، ونرى المؤسسات الحقوقية ومدعي الدفاع عن الأطفال يرددون شعاراتهم الرنانة بضرورة توفير حياة هانئة كريمة للصغار في كل مكان على ظهر الأرض.

لا أدري بأي وجه يأتي هؤلاء ويحتفلون بحقوق الأطفال، وبأية شهية يقبلون على يوم كهذا وأيديهم ملوثة بالدماء، وأرواح الصغار تحوم من حولهم لا تفتأ تلعنهم وفيهم من كان باستطاعته قطع يد عاثت فسادًا بأحلامهم وأرواحهم، فكانوا بتخاذلهم وغيهم لا يختلفون عن القاتل وبربريته، بل كانوا تمامًا أشبه بعاق لا يذكر بر والديه إلا في مواسم الأعياد.

لنا بعد كل هذا الصمت إزاء الجرائم المرتكبة بحق الأبرياء وبالأخص الأطفال منهم، أن نتصور مدى كارثية الواقع الذي نعيشه، فكل شيء أمام طواغيت هذا العصر وأراذله بات جائزًا ومسموحًا.

إذا هو أمر كوميدي جدًا أن يأتي هؤلاء المهرجون يرتدون أمامنا أقنعة الرحمة ووجوهًا تفيض بالإنسانية، والعالم من حولهم قد تكدست به جثث وأشلاء الأطفال، ولم يحركوا ساكنـًا ولم ترف لهم عين قبل هذا اليوم، وبالمناسبة فبعض منا-كعرب- ليس أفضل حالاً من هؤلاء، فبعد تفجيرات باريس فجعت بكم السذاجة التي نغرق بها، إذ  كان من السخف أن ترضخ- كمواطن عربي- للإرهاب في أرضك، ولا أسمع لك صوتـًا مجلجلاً كذاك الذي دويت به العالم لأجل أرض أخرى، ألا تجد أن اعتيادك رؤية القتل والدمار في وطنك ليس إلا تصويرًا لمدى هوانك وحاجتك لإعادة التفكير بالمعنى الصحيح لمفهوم الشهامة في عالم بات يكيل بمكيالين مستغلاً غفلتنا بل سذاجتنا.

 قتل الأبرياء وإزهاق الأرواح في أية بؤرة كانوا شيء لا يؤيده لا دين ولا عقل، ولكن قبل أن تنتفض لغيرك اعمل عقلك وانتفض لنفسك.

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد