الكاكى قراطية فى لغات العجم لها معنيان :

الأول: حكم العسكر(إشارة للون الكاكى الذى يرتدونه)، والثانى: حكم المواطنين الأسوأ فى إدارة الدولة والفارق بين الاثنين كتابة حرف واحد فقط khakistocracy vs kakistocracy ، أما فى اللغة العربية فيكتبان بنفس الطريقة تماماً، مما يؤكد رأيى أن هذه اللغة دوماً وأبداً هى الأكثر حكمة وبلاغة.

“كله بره”هكذا أشر جمال عبد الناصر على المذكرة التي قُدمت له بشأن رفض القضاة لمحاولات دمجهم في الاتحاد الاشتراكي (حزب الدولة، والحزب الوحيد آنذاك) بما يعني ولأول مرة في التاريخ؛ فصل جميع قضاة مصر فردًا فردًا، وهو قرار لم يسمع الأولون ولا الآخرون بمثله في أية دولة أو حتى شبه دولة.

بعد ذلك، أعاد عبد الناصر تعيين القضاة (المطيعين) واستبعد 189 قاضيًا (من العملاء الخونة).

ممن استبعدوا المستشار عادل يونس رئيس مجلس القضاء الأعلى شخصيا و60% من مستشاري محكمة النقض. بعض القضاة المغضوب عليهم عُينوا في وظائف إدارية بمؤسسات الدولة الأخرى، وكان لشركة (باتا) للأحذية نصيب من تلك (الشلاليت).

العام 1969 هو عام مذبحة القضاة، لكن الحقيقة أن سلطة الكاكي قراط (حكم العسكر) لم تضيع وقتًا منذ انقلاب 23 يوليو 1952 لكي تضمن السلطة القضائية في جرابها.

عبد الناصر: قضاء بديل وهيمنة

إن كان عليهم، فالنية كانت السيطرة على السلطة القضائية منذ فجر 24 يوليو 1952. لكنهم كانوا يحتاجون لبضعة أشهر يحجم لهم فيها القضاء قوى عهد الملك.

وهو ما فعله لهم الدكتور عبد الرزاق السنهوري رئيس مجلس الدولة بحظر البرلمان (استغلال السلطة القضائية لتدمير السلطة التشريعية أولا. ألا يذكرك هذا بحل مجلس الشعب المنتخب في يونيو 2012؟) منذ أبريل 1953 أعلنوا عن قوانين بديلة تسمى قوانين الغدر، ثم محكمة الثورة في سبتمبر التالي، وأخيرا محكمة الشعب في نوفمبر 1954 عقب حادث المنشية.

كل تلك المحاكم لا تخضع للنظام القضائي الطبيعي. يديرها عسكريون لم يدرسوا يوما القانون ويصدرون أحكامهم في خلال 48 ساعة.

وفي خطٍ موازٍ للقضاء البديل، بدأت مواجهات عنيفة ضد مجلس الدولة برئاسة عبد الرزاق السنهوري (الذي سبق وخدمهم ضد البرلمان) استمرت المواجهات عامي 1954 و1955. وكان الهدف إعادة تشكيل مجلس الدولة (على مزاج الكاكي قراط) وإسقاط الحصانة عن أعضائه (علشان يعرفوا يمسكوا عليهم حاجات ومحتاجات) ومنع القضاء العادي من النظر في كل ما يخص الجيش.

انتهت المواجهات باقتحام مجموعة من العمال لمجلس الدولة والاعتداء بالضرب على السنهوري وسط هتافات مدوية: تحيا الديكتاتورية.. تسقط الديموقراطية.. (بجد مش هزار).

يذكر عبد اللطيف البغدادي أحد الضباط الأحرار في مذكراته أن عبد الناصر دفع 4000 جنيه لهؤلاء العمال. لكن الأهم من ال 4000 جنيه هو اسم جديد سيبزغ نجمه في المستقبل، هو: محمد أبو نصير.

احفظ هذا الاسم جيدًا، لأننا سنعود له لاحقًا. هذا الاكتشاف الكنز هو أحد مستشاري مجلس الدولة، وقام بتسهيل دخول العمال للمبنى لكي يضربوا السنهوري ضربًا مبرحًا حتى أنقذه من براثنهم صلاح سالم، أحد الضباط الأحرار. (لابد أن يلعب أحدهم دائمًا دور الصدر الحنين).

لم تتوقف يومًا محاولات سن قوانين لتقويض استقلال القضاء على مدى السنوات التالية. وكان أبرزها سنة 1963 إثر موجة التأميم. أمم العسكر الأزهر، فلم لا يؤممون القضاء أيضًا؟

في كل مرة كان القضاة يتصدون بكل قوة لإفشال تلك الاقتحامات. إلى أن حلت النكسة في 1967.

 

عبدالناصر

كان المتصور أنه في أعقاب تلك الخيبة الثقيلة والهزيمة الفضيحة، أن يعيد المسئولون عن الدولة النظر في سياساتهم الفاشلة التي أودت بالأمة إلى كل ذلك التردي. وقد دأب الناصريون على محاولة إقناعنا أن النكسة أدت إلى نوع من الاستفاقة في دواليب الدولة، وأن عبد الناصر انتبه لأخطائه وكوارث سوء إدارته للبلاد وأنه بدأ تصحيح المسار عبر السنوات الثلاث الأخيرة من حياته.

ولكن أزمة القضاء ما بين 1968 و1969 تبصم بالعشرة على كذب هذا الادعاء. لقد أوغل النظام الحاكم آنذاك أكثر في الديكتاتورية والاستبداد وسيطرة مراكز القوى وهيمنة الحزب الواحد والضيق بكل كلمة معارضة والتحول للشيوعية الصريحة.

بدأ الضغط على المستشار عصام حسونة وزير العدل لدمج القضاء في الاتحاد الاشتراكي، والرضا بتعيين أعضاء بالحزب من غير القانونيين في الهيئة القضائية. ولما كان الرجل مخلصًا لجموع القضاة الذين رفضوا بالطبع تلك المهزلة تم الاستغناء عنه. وتعيين من محله؟

عليييييييك نوووووووووووور،  المستشار المخلص محمد أبو نصير كنز حادث السنهوري المكتشف قبل 14 سنة (ذاكرتهم حديدية هؤلاء العسكر). محمد أبو نصير كان النسخة الأولية من المستشار أحمد الزند في العصر الحالي. حاول إقناع جموع القضاة ترغيبًا وترهيبًا بالاندماج في السلطة التنفيذية على النسق الشيوعي السوفيتي.

 

ولما فشل بدأ في استخدام أسلوب جديد بالتعاون مع الكاكي قراط. أنشأ تنظيمًا سريًا كانت نواته أقارب الوزراء وقيادات الحزب من القضاة (بعض هؤلاء أصبحوا وزراء للعدل في عهدي السادات ومبارك).

وبدأ هؤلاء نشاطًا حثيثًا في كتابة تقارير الوشاية بزملائهم. حتى إن أحدهم كتب قرابة ال 2000 تقرير. تخيل قاضيًا يترك قضايا ومصالح وحقوق الناس ليكتب في مدة 15 شهرًا فقط 2000 تقرير في زملائه، بمعدل 4-5 تقارير يوميًا بدون إجازات. تلك التقارير كانت الحجة التي استند إليها عبد الناصر ليرتكب مذبحته الشهيرة ضد القضاة.

 

في مارس 1969 كانت المواجهة قد بلغت أوجها بين قضاة الاستقلال بقيادة المستشار ممتاز نصار وقضاة التنظيم السري. فدخل التياران في مواجهة انتخابية نهائية على إدارة نادي القضاة. وظهرت النتيجة كاسحة لصالح تيار الانتصار لاستقلال القضاء، الذي أخذ أعضاؤه يتبادلون التهاني ظنًا منهم أن المعركة حُسمت لهم. وقد غاب عنهم (سر الهسهس)، ألا وهو الانتخابات النزيهة. هسهس العسكر.

 

ما إن تُجرى أية انتخابات نزيهة حتى يجن جنونهم ويأتون بأفعال باطشة فوق الخيال. وهو بالضبط ما افتتحت به المقال عما فعله عبد الناصر عندما عُرضت عليه نتيجة الانتخابات.

السادات: عاشق دور “الصدر الحنين”

مما يخفى على الكثيرين أن السادات كان شريكًا أساسيًا (شبه خفي) في كل أعمال عبد الناصر القمعية. ليس فقط باعتباره عضوًا في مجلس قيادة الثورة، ولكنه كان من رؤساء محاكم الثورة التي حكمت بالإعدام على قيادات الإخوان ووقع بنفسه على الأحكام. وكان أيضًا رئيسًا للجنة التي أحالت لعبد الناصر تقارير الوشاية بالقضاة وانتهت بالمذبحة. وبالطبع اختاره عبد الناصر نائبًا له لأنه لم يعارضه يومًا.

إذن الرجل ليس مناصرًا للديمقراطية والحريات والعدل ونزاهة الحكم من حيث المبدأ. ولم يكن وجهه الاستبدادي في أواخر أيامه انقلابًا على ما اتسمت به بدايات عهده.

 

الأقرب للمنطق والتحليل الموضوعي أن الأصل عنده هو القمع، وأن ما أبداه في سنوات حكمه من فتح لباب الحريات والتحول الديمقراطي الشكلي لم يكن إلا تعديلاً تكتيكيًا في الإستراتيجية (في قالب الصدر الحنين) للوصول لنفس الهدفين:

 

– قضاء بديل موازٍ يُزج فيه بشخصيات موالية من خارج الكادر.

– إبقاء القضاء تحت سيطرة السلطة التنفيذية.

السادات

في بدايات حكمه أعاد السادات أمور القضاء لنصابها؛ فعوض ضحايا مذبحة عبد الناصر عما فقدوه من وظائفهم ورواتبهم ومعاشاتهم. وحاكم تأديبيًا اثنين (فقط) من أعضاء التنظيم السري.

ويبدو أن الرجل قد أدرك بدهائه أن أسلوب الاختراقات السرية والتدخل القمعي لن يجدي نفعًا مع المرحلة. فاستغل فترة الانفتاح الاقتصادي وهجرة المصريين لبلاد البترول، ومنح للقضاة من الحظ جانبًا بانتدابات لهذه الدول بدؤوا في التنافس عليها. أما من بقي منهم في مصر فقد كان بديله هو (الوسايط) والتمييز (إذا كان ممن يرتاح لهم النظام)، وهو ما أسماه الكاتب الكبير فهمي هويدي أسلوب (الغواية).

مع نهايات عهده الذي لم يطل كثيرًا، بدأ السادات يحن لمسألة القضاء البديل الموازي. فالغواية وحدها تحتاج لسنوات طويلة حتى تؤتي ثمارها. شرع السادات في تأسيس محاكم الأحزاب، محاكم فض المنازعات، وأيضًا قانون العيب ومحكمة القيم. وكلها محاكم تضم شخصيات عامة من خارج الهيئة القضائية. وطبعًا معروف أن المرضي عنهم فقط هم من يصلحون للجلوس على تلك المنصات. أما منصب وقانون المدعي الاشتراكي فقد استحدثه السادات أيضًا لضرب خصومه السياسيين بمعزل عن ساحات المحاكم التقليدية.

 

وعلى الرغم من البدايات المبشرة للكاكي قراط في أسلوب (الغواية)، إلا أن مصر كانت حتى تلك اللحظة زاخرة بالقضاة الشرفاء. فتصدوا بشجاعة للسياسات الجديدة مما كان ينذر بصدامات تشبه ما حدث في أواخر عهد عبد الناصر، خاصة بعد أن كشف السادات عن وجهه الاستبدادي عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. وحده موت السادات هو الذي عطل الصراع.

 

 

 

 

مبارك: الباكيج الكامل فول أوبشنز

 

30 سنة كاكي قراطية عهد مبارك وحده. فترة طوييييييييلة فعلاً. بجد.

 

لذلك ستجد في عصر مبارك كوكتيلاً فريدًا من كل شيء.

الآلاف حوكموا عسكريًا بدلاً من المئات في عهد عبد الناصر.

الحزب الوطنى امتداد للاتحاد الاشتراكي. شباب اختراق القضاء في الستينات أصبحوا قيادات ووزراء في الثمانينات والتسعينات.

 

ترهيب القضاة تطور ليصبح من اختصاص أمن الدولة، الذي تعدى بالضرب على المستشار محمود عبد اللطيف حمزه في 2006 أمام نادي القضاة، كما تعرض السنهوري للضرب في الخمسينات.

 

غواية القضاة استفحلت وتعاظمت من مجرد انتدابات للخليج، وواسطة هنا وهناك، إلى نظام مستقر وحقوق مكتسبة في تعيين أبناء القضاة وانتدابات للشركات القابضة برواتب خرافية وكوادر أجور مميزة ومعاملات تفضيلية.

مبارك
أما المستشار محمد أبو نصير فلم يتم فقط استنساخه بأحمد الزند، ولكن تكاثر بفعل الغواية الناجحة ليكون صاحب الأغلبية في الهيئة القضائية.

وأما الاختراق فلم يكن هذه المرة عن طريق تنظيم سري، وإنما عن طريق تعيين المئات من ضباط الشرطة في القضاء.

بدأ مبارك يحصد نتاج هذا كله. وكانت أهم الثمرات تزوير الانتخابات بشكل روتيني وتمرير برلمانات تابعة للسلطة التنفيذية (الحزب الوطني أو الاتحاد الاشتراكي الجديد). فما كان من تلك البرلمانات إلا أنها فصَّلت قوانين بالمقاس على أيدي الترزية المعروفين.

وبهذا ضمن مبارك أيضًا (المادة الخام) أو (القماشة) التي يحكم من خلالها القضاء.

أي أنه صنع المنظومة كلها من الألف للياء على عينه. ألم أقل لكم أن 30 سنة فترة طويييييييييييلة فعلا. بجد؟

السيسي: القاضي شريك الانقلاب الكاكي قراطي

السيسى

نقطة (هاكلم القاضي) تصلح نقطة انطلاق جيدة لتوصيف علاقة القضاء بالكاكي قراطية في عهد الانقلاب. فلأول مرة (فيما هو معلن على الأقل) يقوم ضابط جيش (هو ممدوح شاهين) عضو المجلس العسكري بإعطاء أوامر لقاض بالهيئة القضائية لغرض تبرئة متهم بقتل 37 مواطنًا بقنبلة غاز.

اليوم لا حاجة لقضاء عسكري موازٍ. لا حاجة لإدخال شخصيات موالية من خارج السلك القضائي. لا حاجة لقوانين. لا حاجة لضرب أو اعتداء على قضاة شرفاء.لا حاجة لاختراق. لا حاجة لغواية.

اليوم يضبط النائب العام مع قادة الجيش الأوراق والدفاتر ويزور معهم مكان احتجاز الرئيس المنتخب المختطف ليتوافق مع المتطلبات القانونية.

لمَ لا، وقد كانت الهيئة القضائية بالكامل شريكة في انقلاب عسكري منذ اللحظة الأولى. بل وكانت شريكة للمجلس العسكري في معاداة ثورة يناير ومجلس الشعب المنتخب من قبل؟!

عضوة في الدستورية العليا تتعمد تقويض الإرادة الشعبية من خلال مؤامرة مع الكاكي- قراط بوضع قانون معيب تصنع ثغراته بنفسها ليتسنى لها حل البرلمان.

ثم يشارك القضاء في إعلان دستوري مكمل ينزع صلاحيات الرئيس المنتخب مسبقًا من قبل توليه ليضعها بين يدي المجلس العسكري.

ناهيك عن مهرجان البراءات الذي لم يدن ضابطًا واحدًا في العشرات من جرائم قتل المتظاهرين وتستر القضاء على الجهات السيادية التي تمتلك الأدلة.

رئيس الدستورية العليا يوافق أن يعينه الكاكي قراط ليجمع السلطة التنفيذية إلى جانب السلطة التشريعية مع السلطة القضائية، ويرضى أن يكون طرطورًا يضع كل هذا تحت البيادة. ثم يصدر العديد من الإعلانات الدستورية دون أن ينتفض أحد لاستقلال القضاء أو غيره من السلطات.

نائب عام سابق متهم بقضايا فساد ورشوة، ونائب عام حالي يحيل القضايا بأدلة تستند فقط لتقارير مفبركة من أمن الدولة الذي ضرب القضاة وشهدوا بتلفيقه للقضايا منذ بضع سنين.

أحكام إعدام بالمئات في محاكمة مدتها يومان، وحبس مواطن 3 سنوات في محاكمة مدتها دقيقة و28 ثانية، وحبس أطفال يحملون بالونة أو مسطرة عليها شعار معاد للانقلاب.
مذبحة جديدة لشرفاء القضاء وقد صاروا أقلية منبوذة. ولكن المذبحة هذه المرة بأيدي زملائهم القضاة أنفسهم، والمذبحة هذه المرة لا تكتفي بالفصل، وإنما تمتد للحبس والمنع من ممارسة المحاماة والإجبار على الفرار خارج البلاد في منفى اختياري.

حتى وظيفة شركة باتا أصبحت رفاهية غير متاحة لهؤلاء الشرفاء.

كل هذه الكوارث فقط في أقل من 3 أعوام لم يحلم بمثلها لا عبد الناصر ولا السادات ولا مبارك.

صدق الدكتور عمرو الشلقاني في كتابه: ازدهار وانهيار النخبة القانونية، عندما أكد أن تغيير النظام مستحيل بدون تغيير قضائه.

لقد تسلم الكاكي قراط قضاءً مصريًا مستقلاً سنة 1952 بموجب قانون استقلال القضاء الصادر سنة 1943. وقد استعصى هذا القضاء المستقل على الانضواء تحت لواء الكاكي قراط إلى أن اضطر عبد الناصر لـ”كله برة”.

والآن بعد 60 سنة كاكي قراطية، أخيرًا أصبح القضاء جزءًا لا يتجزأ من الزي الكاكي العسكري ومستلزماته، مثله مثل البيريه والأفارول والكتافة والقايش والمخلة والبيادة.

لقد أتت ثمار الغواية أكلها. ولو علم عبد الناصر سحرها لانتحر كمدًا على ما ضيعه من سنوات في قمع ومؤامرات سرية. لقد نجحت “كله جوه” فيما فشلت فيه “كله بره”.

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد