قبل بدء أي حكاية اسمحوا لي أن أتكلم بشكل موجز عن الكاميرا.

الكاميرا

الكاميرا، آلة تم اختراعها بتضافر الجهود عبر مئات السنين حتى وصلت لنا بأشكالها اللانهائية الحالية.

ويوما تلو الآخر والهوس بتسجيل الأشياء وتوثيقها يتضخم بين الناس.

خلقت الكاميرا مجالَ عملٍ قائمٍ بذاته، خلقت آلافا من الوظائف، من مصور الأفراح للمصور الصحفي ومن تصوير الفنانين والمباريات الرياضية لتصوير الكوارث البيئية والحروب والثورات والمجاعات، ومن الإباحية للفضائح للإعلانات، كما ترى المجال مفتوحًا تماما لأي شيء!

هناك آخرون يرون في الكاميرا نوعًا من أنواع الفن، فيبحثون دوما عن المميز في هذا العالم ويقومون بتصويره وتوثيقه، فعين المصور الفنان تلتقط غالبا ما لا يراه الشخص العادي.

أما عن الناس العادية، فهم يعشقون الكاميرا أيضًا؛ فالكل يحب أن يسجل ذكريات حياته خاصة الذكريات السعيدة، وأيضا الكل يحب تسجيل الأشياء الطريفة، وإن لم يجد شيئا يسجله يقوم بتصوير نفسه بلا سبب، المهم أن يُسجل شيئا بالكاميرا طالما يمتلكها وهي في متناول يده.

 

عني

ماذا عني؟

بالطبع أعشق الكاميرا، أعشقها مذ كانت لدينا تلك الكاميرا القديمة في عصر ما قبل الديجيتال (الكاميرات ذات الأفلام التي نحمضها في ستوديو!).

في عصر ما قبل الديجيتال (الثمانينات والتسعينات) كانت لدي عشرات الصور تحكي طفولتي ومراهقتي، أما في عصر الديجيتال فلدي الآلاف منها ولكنها لم تعد ذات طعم أو مذاق يُذكر، ربما لأن الصور أصبحت كثيرة ومتاحة فنحن جيل تساعده تقنيات العصر على أن يوثق نفسه وحياته أكثر من اللازم.

عن حكايتي مع الكاميرا

لست موهوبا في التصوير ولا أخطط لأن أصبح مصورًا، ولكني مثل الآخرين أحب الكاميرا وأشعر أن بداخلي مصورًا صغيرًا، فعندما كنت طفلا لم يكن مسموحا لي أن أستخدم الكاميرا وأنا من مواليد الثمانينات، أي قبل عصر الديجيتال بقليل، عاصرت الكاميرات القديمة التي كانت آلة نفيسة وقتها لا يجب أن يعبث بها الأطفال ويجب أن تكون في يد شخص مسؤول “الأب، الأم، الخال، العم… إلخ “، وإن منحوها لك فسيكون هذا كرما وعطفا منهم، ويا ويلك ويا سواد ليلك لو صورت صورة بالخطأ، ستنهال عليك اللعنات لأنك أضعت صورة ضمن الصور المحدودة العدد في “الفيلم”.

ربما تلك الأجواء كونت لدي شيئًا من العقدة، وجعلتني أتمنى أن تكون لي كاميرا خاصة بي وكان حلمًا وقتها، وكان الموبايل بخاصية الكاميرا في بداية ظهوره بالنسبة لي اختراعا مذهلًا، وحلما بعيد المنال كذلك لارتفاع ثمنه وقتها.

ظل حلم اقتناء موبايل بخاصية الكاميرا بعيد المنال حتى اقتنيت واحدا متوسط الإمكانات وكان ذلك تحديدا قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير، ويا للصدفة!

بعيدا عن الحديث عن الثورة، كانت الثورة فرصة عظيمة لي لإيقاظ الحلم القديم بداخلي، أخذت ألتقط الصور في الثورة بلا انقطاع. كانت حدثا عظيما في حياة كل من عاشه بكل ما تحمله كلمة “عظيم ” من معانٍ، وحدثٌ بتلك العظمة خلَّف وراءه ملايين من الصور العظيمة، كنت أشعر أن الدنيا قد فتحت لي ذراعيها، نزلت في المظاهرات وقمت بتصوير ما استطعت تصويره، كنت أصور كل شيء وأي شيء، كانت جنة من اللقطات الرائعة.

لم تكن بالطبع صورًا ذات قيمة مقارنة بغيرها من الصور الاحترفية، لكنها بالنسبة لي كانت تعني الكثير، كنت أشعر أني أمتلك قوة سحرية أحبس بها اللقطات والذكريات، قوة تسمى التصوير.

ولكن فجأة اصطدمت بالواقع. ذات يوم وأنا عائد من ميدان التحرير إبان الـ 18 يومًا قبل دخول موعد حظر التجوال، لفت انتباهي أن الأهالي في عين شمس (المواطنين الشرفاء منهم) قد غمروا الشوارع بلافتات فيها تحذيرات وتنويهات عجيبة، هذه عينة منها:

 

كاميرا

كاميرا1

كاميرا2
كاميرا3

كاميرا4

كانت صورا طريفة وتستحق التسجيل. قمت بإخراج موبايلي وصورت بعضها، وإذ فجأة أجد شخصًا ما من “اللجان الشعبية ” يوقفني ويصرخ فيّ: “بتعمل إيه بس، هات بطاقتك”، أخرجت له البطاقة وأنا مرتعب، كان شخصًا مفتول العضلات وخلفه بعض الشباب يقفون في مناطق متفرقة من الشارع، عرف من البطاقة أني من الحي (عين شمس) فقال لي وقد انبسطت أساريره بعد أن اطمأن إلى أني لست جاسوسا يتبع حزب الله أو إيران أو فرسان مالطة: “طيب يا عم أحمد، ما إنت من عين شمس أهو، بتصور ليه بقى؟”

قلت له: “عادي، إيه المشكلة؟”

قال لي وهو يتقمص دورالخبير الأمني: “بلاش عشان القلق في البلد، معلش إبقى امسح الصور”.

قلت له: حاضر!

وانصرفت وأنا أشعر بالسخط، ومن يومها وأنا أختار بدقة توقيت وبيئة التصوير وأحرص تماما على ألا أكون في مرمى أي من المواطنين الشرفاء حين ألتقط أية صورة.

مرت الأيام بعشرات الأحداث وعشرات الصور والمواقف، تعطل هاتفي المحمول ذو الكاميرا لسبب ما وأصبح من المستحيل إصلاحه، ولأسباب مادية كان من المستحيل شراء هاتف جديد وقتها، وتوقفت الحكاية عند هذا الحدث.

عود غير حميد

بعدها بفترة طويلة اشتريت هاتفا محمولا بخاصية الكاميرا وأفضل بكثير من هاتفي القديم، وعاد حلم التصوير مرة أخرى ولكن هذه المرة عاد في عصر ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013، ولمن لا يعرف علاقة الانقلاب بالصور والتصوير قم بهذا الإجراء البسيط وعد لإكمال المقال:

ادخل على Google وابحث عن العبارات التالية:

1- “ضبط شخص يصور”
2- “ضبط شاب يصور”
3- “ضبط فتاة تصور”
4- “ضبط شخص بحوزته كاميرا”

لقد قمت أنا بالبحث وخرجت ببعض الإحصاءات الطريفة، سأدعك تكتشفها بنفسك عزيزي القارئ.

جاءت كاميرا الموبايل بعد أحداث 25 يناير 2014 بفترة، أي بعد الانقلاب ومذبحة الحرس الجمهوري ومذبحة المنصة ومذبحة فض رابعة ومذبحة 6 أكتوبر، وبالطبع مذبحة 25 يناير وعشرات المذابح الأخرى التي لا أتذكرها لحظة كتابتي هذه السطور.

جاءت ونفسي لم تعد تريد أن توثق شيئا في هذا البلد، وإن راودتني رغبة توثيق شيء فإن نزعة الخوف الشديدة داخلي تمنعني من تلك المجازفة، لا شيء بداخلي يريد المجازفة، ومن أجل ماذا؟ صورة؟!

اتجهت لعالم الصور الشخصية التافهة، صوري مع العائلة، صور طريفة داخل بيتنا، في العمل. إن شئت الدقة قل: “الصور الآمنة” تلك التي أصورها وأنا مبتهج وسعيد لا وأنا خائف ومرعوب.

بالطبع تعرفت على Instagram وأصبحت بشكل ما مدمنا لتوثيق تفاصيل حياتي الصغيرة عليه.

حتى جاءت اللحظة التي التقطت فيها تلك الصورة في محطة مترو الشهداء – رصيف اتجاه الجيزة.

كاميرا5

بالطبع كلنا نعرف مهزلة مترو الأنفاق هذه الأيام؛ نظام السيسي الرشيد عندما وجد أن هناك العديد من القنابل تنفجر هذه الأيام قرر أن ينزع أي سلة مهملات في المترو، وحين تبحث عن مكان لتلقي فيه قمامتك لا تجد، بالطبع انتشرت القمامة وأصبح المنظر بائسًا.

ثم فكر نظام السيسي الرشيد في أن يتخلص من تلك الظاهرة بنشر ملصقات توعية مثل تلك التي في الصورة، فكان هذا هو الرد الطريف الذي أسعدني كثيرا حين رأيته. عندما رأيته قررت تصويره ولكني خفت بشدة أن يوقفني أحدهم، نظرت للصورة بحزن وفارقتها.

مرت الأيام ثم عدت من جديد لنفس الرصيف، ووجدت الملصق كما هو فأخرجت الكاميرا ولكني خفت أن أصوره وانصرفت أيضًا.

في المرة الثالثة على نفس الرصيف اتخذت القرار وقررت أن أكسر حاجز الخوف بداخلي وأن ألتقط الصورة، أطفأت صوت الكاميرا وتظاهرت بأني أعبث بشيء ما في الموبايل، ثم ها هي الصورة أمامكم.

بعد أن التقطتها شعرت وكأني هارب من العدالة. التفتُّ يمينا ويسارا لأتأكد أن أحدًا لا يراقبني، جاء المترو فركبته وأنا أشعر أني حصلت على صيد ثمين.

كان كل طموحي أن أنشر تلك الصورة على فيسبوك وأضع تعليقا طريفا، لكن الخوف الذي كان بداخلي قتل الإحساس بالطرافة في الموضوع، شعرت بالشفقة على نفسي وعلى حال كل شخص يهوى التصوير في هذا البلد، شعرت بمدى ضعفي وبالكثير من المشاعر السلبية.

لا أتخيل شعور مصور حربي أو مصور صحفي متخصص في تصوير المظاهرات والأحداث الساخنة وهو يقرأ تلك المخاوف التافهة في مقالي. أعتقد أنه يسخر مني الآن، ولكني أود أن أوجه له رسالة لو كان يقرأ كلماتي: “أنت بطل، أنا فخور بك، أحسدك كثيرًا، ليتني في مثل شجاعتك”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد