كان هناك أسطورة قديمة تقول إن كل إنسانٍ بعد أن ْتُنْفَخَ فيه الروح يختار كرة هي عبارة عن الموهبة التي خلق من أجلها؛ وبعد ذلك ينزلون إلى كوكب الأرض ليبدؤوا حياتهم، وكان كل منهم يعمل بموهبته ويبني كل حياته على أساسها؛ ولكن كان هناك بعض البائسين الذين فور نزولهم إلى الأرض ألقوا بكراتهم لأنهم استثقلوا حملها، فكتب عليهم العذاب طوال حياتهم، وكان عذابهم عبارة عن التشتت بين الأعمال والأهداف – وباستثناء قلة منهم فقط كافحوا حتى استرجعوا موهباتهم – لم يتمكن أحدٌ من اكتشاف الأعمال والأهداف التي كرست لها موهبته، وظلوا طول عمرهم بدون أن يعلموا الشيء الذي خلقوا من أجله، حتى ماتوا دون أن يعيشوا الحياة التي قدرت لهم، فكتب عليهم الموت في الحياتين، فماتوا في الحياة الدنيا لأنهم عاشوا دون أن ينبض قلبهم بشغف موهبتهم وماتوا في الحياة الآخرة لأنهم لم ينفذوا ما كتب لهم وأمروا به؛ أما كرات مواهبهم فعادت أدراجها لتجد أشخاصًا آخرين يقدرونها ويستخدمونها في تحقيق أهدافهم.

رغم كون كل هذه الأسطورة محضًا من الخيال إلا أنها واقعية بدرجة كبيرة، ففي نظري كل إنسان فينا خلق وبين أضلعه تكمن موهبة؛ ولا يوجد إنسان ليس لديه موهبة في شيء ما، ولكن نحن هم من يختارون إما أن ننبت هذه الموهبة وإما أن نقتلعها.

إن الشخص الموهوب الذي يعمل على موهبته ويصقلها ويدرب نفسه، ويضع هدفًا أمامه ليظهر هذه الموهبة للعالم وليغير العالم بها، ليس مجرد شخص عادي بل هو شخص يأبى أن يموت إلا حين يضع بصمته على صفحات هذا العالم ليتقدم به خطوة إلى الأمام؛ والإنسان حينما يعمل بموهبته ويجعلها أساس عيشه ومصدر رزقه هو الشخص الرابح.

فإن أسعد الناس في هذا العالم هم من يعملون الوظائف التي تناسب مواهبهم وهواياتهم، الوظائف التي يحركهم الشغف والحب ليتميزوا بها، ربما ينجح الأشخاص غير الموهبين في وظائفهم، ولكنهم رغم ذلك لن يصلوا أبدًا لمرحلة الإبداع.

والمواهب في حقيقتها شيء بسيط جدًا، ولكنه يحدث فرقًا في حياة الإنسان، إذ إنها تصاحبه من الطفولة مرورًا بالشباب وحتى يصل إلى الشيخوخة؛ فربما كانت موهبتك الكتابة وهذا يعني أن ستظل طوال عمرك تدرب قلمك على أن يكتب وتجتهد في القراءة حتى تكتب وتؤلف وتغير فكر الناس بكتاباتك، وربما كانت موهبتك قرض الشعر وهذا يعني أن ستظل طول عمرك تحاول أن ترقى لمستوى المتنبي وامرئ القيس مبحرًا بين أدبيات اللغة وأساليبها وسجعها وطباقها حتى تتمكن من قرض الشعر، وربما كانت موهبتك الاختراع فهذا يعني أنك ستظل طوال عمرك تقرأ وتدرس وتحاول وتجرب وتفشل تارة وتنجح تارة حتى تخترع اختراعك الذي سيفيد العالم، والأمثلة كثيرة والمواهب أكثر.

فتخيل معي إنسانًا ليس لديه موهبة، في نظري هو حينها كالبئر القفر القحل الفارغ من الماء، لا يروي ظمأ مرتحلٍ ولا يسقي أرض بورٍ لتزهر، وأما الإنسان الذي بقلبه ولع لموهبته فهو كالبئر ذي الماء العذب يسقي بشرًا ويهزم جدب الفيافي ليجعلها واحاتٍ.

والمواهب لا تولد ولا تصنع فهي تارة هكذا وتارة هكذا تارة تولد بها وتارة تصنعها أنت وتخلقها ولكن أنت تستطيع أن تلدها وأن تصنعها لأنك أنت فقط بجدك وعملك ستجعلها حقيقة لا مجرد طيف وحسب، فربما تولد كاتبًا وتجد في نفسك القدرة على الكلام والإسهاب فيه وربما لا تولد كاتبًا ولكنك تقرأ وتحفظ وتحاول.

وتقطع ورقًا تدربت وفشلت حتى تصل إلى النص الذي يستحق أن يجعلك ترقى للقب كاتب، ولكن بالنهاية سواء أكانت الموهبة مولودة أم مصنوعة هي موهبة تستطيع أن تنير بها حياتك.

كل ما علينا فعله فقط هو أن نفتش في داخلنا عن مواهبنا ونبدأ بالعمل عليها، واكتشاف الموهبة ليس إلا نصف الطريق والموهبة لا تنمو إلا بالسقيا وبالتدريب وبالتفرغ لتعميرها حتى تصل لدرجة أن تكون أنت وموهبتك شيئًا واحدًا لا تفعل سواها وكل يومك وكل عملك لها؛ صحيح ستمر علينا لحظات ضعف وسقوط وخذلان ولكن لنتذكر أن تسلق الجبل ليس أمرًا سهلًا وكما قال أبو القاسم الشابي:

ومن يتهيب صعود الجبال … يعش أبد الدهر بين الحفر

إذا خفت من إخراج موهبتك للعالم فأنت بذلك تئدها بين الحفر.

ولنتذكر أن مواهبنا أمانات وهبة من الله، وهي كالملك في لعبة الشطرنج بدونها لا تكون للحياة معنى تمامًا كالشطرنج بلا ملك، ليس له معنى.

وبالنهاية نحن لم نخلق لنموت بل خلقنا لنعمل ونحقق أهدافًا وأحلامًا نتقدم بالبشرية خطوة إلى الأمام بتحقيقها، فأينما كنتم فولوا وجوهكم شطر مواهبكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد