كلمتان على الآذانِ أثقلُ من ماءٍ آسنٍ على لسانِ أميرٍ لا يرضى فوهُ إلاَّ بالأطعِمَةِ العِذاب، إِذ إنَّ الواقِعَ لا ينَلْ إلَّا من ذاكَ الذي انعرجَ قلبُهُ عنِ اعتدالِه!

جدير بالذكر أنَّ ثمةَ على كوكبِنا موهوبُون يُهْمٌ كُثر، فليسَت حالة نادرة فلا نكترث. حبَا اللهُ ذلكَ الموهوب جانبًا مُبدعًا متَّقِدًا، اتَّسمَ بهِ فبدأ صِيتُهُ يملاُ الآفاق، ولأنَّهُ ما اعتادَ على أن يتروَّى في أُمورهِ فباتَ يفعلُ ما تُمليهِ عليه نفسُه، غيرُ آبهٍ لنقدِ ناقدٍ ما دامت نفسهُ تتغزَّلُ بموهبتِها، وإن عنَّفهُ – على ذلكَ – أحدهم، صبَّ جامَّ غضَبهِ عليه، ورماهُ بشواظِّ لهبِ لسانهِ ويده .

درَّبَ جسدهُ كلَّ يومٍ فباتَ مفتولُ السّاعد، تراهُ كأنَّما رأيتَ بطلًا شُجاعًا تهابهُ كلمةُ رِعديدِ وأخواتُها، وإذا حدَّثتَهُ سمعتَ منهُ كلامًا باسلًا لا قيمةَ له، وإذا جَرَت مُشادَّة بينهُ وبينَ أحدهِم، كانت لقبضتِهِ الزَّعامة، ولعقلهِ التَّهاونُ والمهانة، حتى وَكِفَ وفَتُر. أهملَ قلبهُ حتى قسا، وعقلهُ حتَّى اعوَجّ، فصالحَهُما على قبضتهِ ونصَّبَها أميرًا عليهِما، وَوَلِىُّ أمرهِ في المعاركِ والشَّدائد!

ولا مِرية في أنَّهُ قد يفتعِل بعض الأسبابِ التَّافهةِ لتُمكّنه من الدّخُولِ في عِراكٍ مع أحدهِم ليُطلقَ العنانَ لسحرِ قبضتهِ. ولا شكَّ أنَّهُ – بذلكَ كلّه – أسيرًا ذليلًا لنْ تُفكَّ قيودهُ ما دامَ عقلهُ وقلبُهُ مُوثَقَيْنِ بقبضتِه.

وفلانٌ آخر نشأَ بين الكُتَّابِ والكتبِ والقِرطاس والقلم، فأخذَ منهمُ العلمَ واللغة وفنّ الصَّنعتَين: الكتابةُ والشّعر، فكأنَّما خُلِقَ القلم ليسكُنَ إليه – ومثل هذا  في الغالب لا يَسكُن إلى زوجتِهِ بقدرِ ما يسكنُ إلى قلمهِ – فباتَ قلمُه ممزوجاَ بمدادِ أقلامِ مَن سَبَقوه بفضلِ ملازمتهِ للورَّاقين وكتاباتِهم، ولا عجَبَ أنَّهُ ما أخذَ منهم حكمةَ هاتين الصَّنعتَين!

ولمَّا تاقت نفسُهَ للظهورِ كانتِ البَليّة الكبرى، إذ إنَّهُ أخذَ بعين الاعتبار أخلاق من يكتبُ لهُم، لا أخلاق صنعتهِ، فامتزَجَ مدادُ قلمهِ بدمائهم؛ ولمَ لا تجتمعُ الأمراضُ بجسدٍ قد حَوى وسكَنَ فيه دمُ فلانٍ وفلانٍ وفلان؟!

وقد تخطُر بباله فكرة فيكتبها، ثمَّ يختار لها جملًا خَلت من كلِّ عيبٍ لغويّ، كلماتُها سلسة عذبة، جاهلًا ما تحملُ هذه الكلمات – ما قد يتأسَّفُ على قولها يومًا – بين حروفها. بَرع في اللغة وفنونها وسط أُناس جهلوا فصاحةَ اللغة وفنونها، فلِمَ لا يُسحَروا بكلماتهِ وفكرهِ معًا؟! وهنا قد تبوأ عرش قلوب تابعيهِ بقلمٍ مريضٍ، مريض صاحبه.

ولا يضيرُني كذلكَ أن أقول أن جُلَّ ما يرومُه هذا الأخيرُ هو إعجابُ تابعيه ببراعتهِ في نسجِ كلماتهِ وقدرتهِ على تنميقِها في أحسنِ عبارةٍ وحسب، لا إصلاحِ مُعتقدٍ فاسدٍ ولا عقلٍ أصابهُ أذى… وكيف يفعل؟ وهو فاقدٌ له؟! فما أكثر هـذينِ النَّوعينِ في مُجتمعنا العربي!

وهذه أخطاءٌ – ومن غير شك – ناجمة عن فكر: فالأوَّل ما عليه سوى أن يُدركَ أنَّه سيصل الستين أو السبعينَ يومًا، والآخر أن يوقِنَ بأنَّ قلمهُ قد مرِض. واللذَّة ليست في أن يُعجبَ أحدهم بك، ولكنَّها تكمن في تغيير فكركَ أنت، فما راقَ صدرٌ ولا نمَا عقلٌ إلَّا بتطهيرِ نفسٍ ما أَلِفَت قبيحَ فكرٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد