يروي فيلم Quiz Show قصة الفضيحة التي كادت تطيح بالتلفزيون الأمريكي في خمسينيات القرن الماضي بعد أن تم الكشف عن التلاعب الذي كان يمارسه منتجو برنامج المسابقات «21» لزيادة جرعة الإثارة وبالتالي زيادة عدد المشاهدين، وهو ما أدى بالكونغرس الأمريكي حينها إلى التحقيق مع المتورطين ومعاقبتهم وإيقاف برنامجهم عام 1958.

وإذا كان التلفزيون الأمريكي من جرّاء هذه الفضيحة، وفضائح أخرى، قد تم ضبطه بجملة من القوانين التي تمنع – أو تقلل من – حجم التلاعب فيه، حمايةً للمشاهد من الأوهام التي يروجها صنّاع الترفيه التلفزيوني، فإن العالم العربي، حديث العهد بالثورة الفضائية، لا يزال يئن تحت وطأة الفوضى التلفزيونية التي لا تحكمها قيود ولا تضبطها قوانين، فأصبح لكل قناة الحق في إنتاج أي برنامج وتوفير كل الاحتياجات التي توهم المشاهد – والمعلن – بأن هذا البرنامج حديث الناس و«شاغل الملايين»، ويكفي أن تملأ الإستوديو بجمهورٍ مستأجرٍ يصفق متى أراد المنتج ذلك.

تكتسح الفضائيات العربية هذه الأيام موجة برامج المسابقات الغنائية «إكس فاكتور وعرب آيدل وذا فويس ومؤخرًا ذا فويس كيدز وغيرها من البرامج التي تعتبر تتويجًا للشرارة التي أطلقها برنامج «ستار أكاديمي» و«سوبر ستار» قبل سنوات.

ومع كل انطلاقة يتم التأكيد على أن البرنامج ما جاء إلا لتطوير الموسيقى العربية واكتشاف المواهب التي سترتفع بقيمة الأغنية، لكن الواقع يقول العكس فلا تطوير حدث ولا مواهب استمرت.

ومن استمر لم يقدموا إنتاجًا مختلفًا عن السائد، بل كانوا وسيلة لتكريس الوضع السيء للأغنية العربية.

لطالما ارتبط الفن بالجمال والرقي والقيم والجميلة، لكن يبدو أن الوقت الحالي يميل لفرض قيم أخرى على الفن وأهله، قيم المكسب والخسارة أو قيم السوق والتجارة، التي يمكن أن يتحول معها الفنان من رمز وقدوة يقتدي بها معجبوه إلى مصدر لتجريح الناس والاستهزاء بهم.

وهي القيم نفسها التي يمكن أن تتحول معها برامج من المفروض أنها أعدت لإسعاد الجمهور، وفي الوقت نفسه احتضان المواهب الشابة وتطعيم الساحة الغنائية بأصوات متميزة، إلى وسيلة للسخرية من الآخرين والمتاجرة بأحلامهم وآلامهم، لا لشيء سوى كسب المزيد من الجماهيرية، ورفع نسب المشاهدة.

بمتابعة لأحد هذه البرامج تجد أن الموهبة الجيدة يتم تحطيمها بكل الطرق ومن لا يستحق يرفع لعنان السماء وكأنه من كوكب آخر محرم التعليق عليه.

وبدقة بسيطة تجد أن المنتجين لهذه البرامج يبحثون بكل الطرق عن الحصول على أكبر نسب مشاهدة عن طريق التعاقد مع أشهر الأسماء سواء كانوا لجنة تحكيم أو ضيوفًا، أو افتعال الأزمات والإشاعات بين المتواجدين لينتشر الجدل بين المواطنين.

المشكلة ليست هنا ولكنها تكمن فى عدم الاكتفاء بمثل هذه البرامج وما يحدث بها ولكن ظهر لنا أفضل مصمم أزياء وأفضل شيف وأفضل ممثل وكان أغربها وأكثرها إثارة للشفقة ما يسمى «أفضل راقصة» الذي أخرج دينا لتقول إنها أخرجت وجوهًا جديدة ستجدد دماء هذا الفن، وكأن جميع المشاكل تم حلها ولم يتبقَ سوى اكتشاف ما تسمى المواهب الجديدة.

هل أصبحت شعوبنا تتميز بعقولها الفارغة التي تصدق أن التصويت هو من يحدد الفائز وأن اللجان بالفعل نجوم ولا يستحقون أن يخضعوا للجنة لتعلمهم كيف يكون الغناء؟

هل أصبح إلزامًا علينا أن نرى برامج المنوعات وننشغل بها غير مدركين ما يحدث حولنا من سلبيات وإيجابيات مكتفين فقط بالتعليق على مثل هذه البرامج؟

أولسنا أحق بهذه الأموال لتصرف في مكانها الصحيح وفيما ينفع بدلًا من هذه المناظر التي أصبحنا نراها ليل نهار .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

برامج, فن, مواهب
عرض التعليقات
تحميل المزيد