هذا ما ارتضيته كعنونة للحكايات التي تناولتها «وسام سليمان» في فيلمها «أحلى الأوقات».

يبدأ الفيلم بمشهد للأم تتبعها الكاميرا في مراقبة تحركاتها الصباحية التي تنم عن امرأة أرستقراطية، تعيش في شقة فاخرة بصحبة زوجها وابنتها من زوج سابق. ترتدي البشكير.. تصب المشروب الساخن.. تشعل السيجار.. تجلس ممدة القدمين على كرسيّ هزاز.. يضايقها الريح الذي يهب من الشرفة.. فتقرر أن تذهب لإغلاقها.. فيطير عنها شالها.

وحين تذهب لإستعادته.. تنزلق من على السلم.. وتنتهي حكايتها.. لتبدأ حكاية أربع شخصيات أخرى.

«الدنيا ريشة في هوا.. طايرة بغير جناحين.. وإحنا النَّهار ده سوا.. وبكره هنكون فين؟».

كيف تؤرخ المزيكا للقصص الحياتية؟ هذا ما تجيب عنه أغاني منير التي كانت اختيارًا مناسبًا جدًا كموسيقى تصويرية للقصص. قصة حنان ترك والحكاية المكررة التي لا تنضب أبدًا طرق معالجتها وإلباسها أثوابًا جديدة، الفتاة التي تركها أبوها وهي صغيرة، تتزوج أمها، وتموت الأم، لتبدأ الفتاة في رحلة قصيرة للمحاولة للوصول للأب.

الجميل فعلًا في هذه الرحلة احتوائها على عناصر الرومانسية القديمة المتشحة بالرقي والبساطة، بعيدًا عن محادثات الـwhat’s app ولقطات الشاشة والصور المختزلة والمنشورات التي تختصر ملاحم حياتية بأكملها في بضعة سطور مفعمة بالمشاعر في ظاهرها، لكنها خاوية في باطنها. الرسائل الغير معروفة الهوية، الصور الفوتوغرافية، شريط الكاميرا الأبيض والأسود الذي كان يضيء ويطفأ دلالة على كونها محاولات لتذكر أحداث باتت مهمشة على جانبي العقل، شرائط الكاسيت، وألبومات منير القديمة.

حين يرى زوج الأم أنه لا بد عن محاولة إلهاء الفتاة الصغيرة عن فكرة الرحيل، يصنع لها أحجية، تعود بها إلى بداية الطرق، حيث أصدقاء المدرسة. لتبدأ قصتين أخريين، هند صبري في دور الزوجة المعلمة من شبرا التي تعيش حياة زوجية عادية كحال معظم أمهات مصر، ومنة شلبي في دور العاشقة صاحبة الطموح والأحلام وحبيبها ذو العين البصيرة واليد القصيرة. حكاية مكررة.. لكنها مُجسدة بمهارة.. وربما حين وقت طرحها في السينما لم تكن قد تكررت بعد أو خرجت مجسدة للنظَّار. لكن الغريب حقًا أنه وبالرغم من مرور كل هذه السنوات على إنتاج الفيلم، إلا إنه لم يزل جذَّابّا، ويجبرك على مشاهدته لنهايته حتى لو رأيت أن حكايته ليست بالجديدة. أحيانًا أنت تشاهد الفيلم لتفاصيله لا لفكرته. وتفاصيل مشاهد هذا الفيلم هادئة ودافئة جدًا، وتنم عن نوستالجيا رقيقة. بداية قصة الحب المدرسية بين الطالبة والأستاذ:

«أول ما دخلت الفصل عيني وقعت عليك.. أنت كمان بصيتيلي وضحكتي».

مرورًا بالزوجة التي تتمنى أن تحظى بوردة:

«عايزة ورد يا إبراهيم».

والحبيبة التي تطارد حلمًا:

«تحب أمثلَّك؟

أنا دلوقتي مبسوطة.

ودلوقتي بقا.. أنا متضايقة» وتبكي.

انتهاءً بالفتاة التي كان مردود تعامل الحياة معها عقب وفاة أمها صدمة نفسية، وطريقة تعاملها المتوترة مع الخلق، والعقدة التي حلت بها بسبب ترك الأب لها:

«لاء طبعا عمري ما حضنت واحد…

هو أنا معقدة؟»

هذا الفيلم رحلة لمناقشة قضايا تبدو ساذجة للوهلة الأولى. لكنها محورية عند التأمل فيها. لماذا تفسد العلاقات الزوجية؟ ولماذا تصبح الحياة أكثر مللًا عقب عقد القران؟

لأن الرجال ينسون كيف يكون العِناق.

كيف يتحمل الرجل تِلالًا من المعاملات القاسية بالشارع مع الخلق.. ولا يتحمل فراق زوجته ليوم واحد؟

لأنه في الواقع. كل هذه التلال تسقط عن كتفيه حين يرى وجهها آخر النهار ويطمئن لوجودها في البيت، ولأن المرأة هي عمود البيت، رغم هشاشتها.. تسنده.. وتحول دون سقوطه.

متى نقع بالحب.. ونسلم.. وتنفك العقد؟

حين نطمئن.

لماذا نترك المضمون ونهرع نحو اللامحسوب؟

طمعًا في الأفضل. ثم حين نتلقى صفعةً.. نفيق.. ونرضى.. ونعود.. بعدما نتعلم الدرس.

منير هو صوت الأيام، والشاهد على تداولها، ومؤرخ القصص والحكايات، والمتحدث الرسمي باسم المخاوف، والمعلق الحقيقي على جوالات الحياة، يفرح معنا حين نكسب جولة، ويعزينا حين نخسر أخرى.

يقول أحد الكتَّاب عنه إنه يغني بسلاسة كأنه لا يقصد ذلك، ويغني أغنية حين تحاول قراءة كلماتها تستعجب كيف أمكنه تحويل هذه الكلمات العادية إلى أغنية تعلق بالذاكرة إلى ما لا نهاية. أنا أيضًا لي ذكريات كتير مع منير، مثل فتيات هذه القصص، وكانت كلماته الشاهدة على الكثير من حكاياتي، وأسير بالشارع معلقة النظر بالشبابيك والبالكونات، أراقب الحياة بين أصص الزرع والزهور، بلكونه شابة يتبعها بلكونة في أراذل العمر، وتدور برأسي أغنية شبابيك.. تمامًا كما تدور برأس الثلاثة فتيات.. في أحلى الأوقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد