(ي)

«يا من لعرضي هتك! فقدت شرعيتك!»

تذكر ذلك المساء الشتوي، حين اجتمعوا يتحدثون عن ثورة تونس وما جرى فيها، وقتها حدثتهم عن تاريخ ليس ببعيد، عن انتفاضات يناير (كانون الثاني) وما آلت إليه. كان بينهم شخص تتعرف إليه للمرة الأولى، ولنطلق عليه هنا (كاره السياسة)، وكان انطباعك عنه أنه يختار ألا يشغل باله بهذا الهم. حاولت إثارة فضوله بحديثك عن المستقبل، وما قد يحدث خلال أيام، وأن الموجات المتراكمة قد تتحول لتسونامي عاصف لا يقوى أحد على الوقوف ضده، فبدا مندهشًا، وقلتم لعل هناك أملًا في تغيير شامل. بعدها بشهر تلتقيه مصادفة، فيهنئك على صحة توقعاتك، فتقول بحيرة إنك لا تدري هل صحت توقعاتك أم لا!

تلتقيه مجددًا بعد سنوات خمس، يظن كل منكم أنه التقى الآخر في مكان ما!

(ن)

نكتة

العام الخامس بعد الألف الثانية، تتعدد مصادر المعرفة وتتشكل الآراء، من فضائيات وصحف ومدونات وحركات سياسية، وأنت مدفوع بحماس نحو تغيير العالم، تجادل أصحابك وتشجعهم لعمل البطاقة الانتخابية، وكانت من الورق المقوى الأحمر، وتدعوهم للمشاركة في الانتخابات الرئاسية، بعد أن قاطعت الاستفتاء السابق، وللتذكرة كان الاستفتاء على تعديل المادة 76 من الدستور، بحيث ينتخب الرئيس بالاقتراع بدلًا من الاستفتاء بعد ترشيح مجلس الشعب له!

صبيحة ذلك اليوم حرصت أن توصل أصحابك كل إلى لجنته الانتخابية، ومنهم من كانت لجنته في قسم الشرطة ذاته، وبدلًا من الاقتراع السري كان صاحبك محاطًا بلا ساتر بالعساكر! قلت له النكتة الشهيرة وقتها، عن هذا الذي خرج من اللجنة الانتخابية فسأله أحدهم عمن انتخب؟ فأجاب أنه انتخب منافس الرئيس! فقال له: يا ويلك! ألم تسمع بأنهم يجمعون أسماء من لم ينتخبوا الرئيس، وسينزلون بهم أشد العقاب! فرجع الرجل مذعورًا إلى اللجنة، ونظر باستعطاف إلى الموظف المسؤول، وترجاه أن يعيد له بطاقة الاقتراع لأنه أخطأ فيها، فما كان من الموظف إلا أن طمأنه قائلًا: لا تقلق، لقد أصلحنا لك الخطأ هذه المرة، ولكن لا تكرره!

تكررت الحماسة مرات بعد ذلك، ومرة ذهبت مبكرًا، وحاول الأمن إثناءك عن التصويت بدعوى أن اسمك ليس في اللجنة، ولكنك قاوحت وراجعت الكشوف حتى وجدته، وحينها سمحوا لك بالدخول مرغمين، ودخلت لتجد الصندوق مليئًا بالأوراق، مع أن اللجنة قد فتحت بابها للتو!

وفي زمن مبارك انتشرت نكتة، عن عراف أتى الرئيس وأخبره أن عليه أن يودع الشعب، ليرد مبارك: ليه؟ هما رايحين فين؟! وبعد يناير ذهب رجل للتصويت في أحد الاقتراعات، وهناك قابل ضابطًا فسلم عليه بحرارة، وقال: حتوحشونا والله! ليرد الضابط: ليه بس يا حاج، ما إحنا قاعدين معاكم، حنروح فين يعني؟! ليرد الحاج: قاعدين؟ يعني إيه قاعدين؟! أمال أنا جاي هنا ليه؟!

(ا)

«الشعب يريد»

مع انفتاح المجال العام، ودخول الناس في التجربة، كانت الإرادة محركًا أساسيًّا، وكان الصراع والخلاف أمورًا لا مناص منها، والصدام واردًا، ومع أنك لا تفضل الصدام، إلا أنه قد يفرض عليك اضطرارًا، وكان أغرب ما يقابلك أن تجد شابًا مؤيدًا للنظام الظالم!

وذات مساء، كنت عائدًا من عملك، وركبت المشروع الداخلي ليقودك إلى بيتك، وكان الراديو ينهق بصوت يدعو للأيادي أن تسلم، ويقول رجل في نهاية العربة: الأيادي دي هي إللي جوعتنا، ليرد آخر يجلس بجوار السائق: علِّي يا أسطى علشان فيه ناس لسه مش سامعين!

وفي الطريق يصعد راكب، ويقف وما أن يلمحك حتى يوليك ظهره! كانت ثلاث سنوات قد مرت على أول وآخر تعليق بينكما على الموقع الأزرق، حين احتججت على مقتلة ما، فتهكم على المقتولين وحظرك! قبل صعوده للمشروع كان أحد الركاب قد أرسل للسائق الأجرة، وبينما يعيد له السائق الباقي، تلقفه الراكب الواقف، ودون أن يستدير مد يده من خلفه، وحرك يده يمينًا ويسارًا لتلتقط منه المال. تمد يدك، لكن الهوة بينكما أكبر من أن تدرك!

(ي)

«يا مصر هانت وبانت، كلها كام يوم…»

أذاعت إحدى القنوات المحلية لقاء لمن أطلقت عليهم «شباب الثورة»! وكان هؤلاء خليطًا من البشر، منهم أعضاء الحزب الوطني، ومنهم الإخوان، ومنهم من وجد نفسه في هذا المكان بالمصادفة، ومنهم أعضاء أحزاب كرتونية، كحزب أعضاؤه رجل وزوجه! ومنهم قيادات محلية وعمدة إحدى القرى، بالإضافة إلى رجل عرف عن نفسه بأنه مدرس تربية رياضية ومرشح محتمل للرئاسة. وكان سؤال الحلقة عن رأي شباب الثورة هؤلاء في كيفية النهوض بالوطن، وتحلق الجمع في شكل حدوة في الهواء الطلق، وفي طرفها كان مسرح، ودار المذيع الذي يبدو كأنه خرج من بداية التسعينيات لتوه على الناس ليستعرض آراءهم، وبعد جولة من الكلام المكرر دعا المذيع الفرقة لتصعد المسرح، وتقدم المطرب وقال إنه سيقدم أغنية عن الوحدة الوطنية، ثم غنى: «صاحبي في الشغل: مسيحي! جاري في البيت: مسيحي! أستاذي في الفصل: مسيحي! والدكتور برضه: مسيحي! وإللي ضحى علشان بلدنا كان.. مسيحي!».

وبعد الأغنية صفق الجمع بحرارة، ودار المذيع عليهم يسألهم عن رأيهم في هذه الكلمات البليغة، وأشاد الجمع بمصر التي تجمع الأديان في سلام، وشكروا الفرقة على هذه الأغنية العظيمة! كان الجمع حريصًا على إظهار الصورة، فلربما يشاهدها أحد!

(ر)

«رَفعت أمُّه الطيبة، عينَها! (دفعتهُ كُعُوبُ البنادقِ في المركَبة!)»

كانت أمه الطيبة في صدمة بعد غياب طال شهرًا كاملًا دون أن تعرف عنه شيئًا، منذ أن خرج ذات مساء ولم يعد. حاولت الاتصال به آلاف المرات دون جدوى فهاتفه مغلق دومًا، ودار أبوه على أصدقائه ومعارفه، بعد أن سأل في الأقسام والمستشفيات، ولم يعثر على أي أثر له.

وكان يعتصر ذهنه محاولًا تذكر رقم والده، فالفرصة قد لا تتكرر بعد أن عطف عليه أحد الأمناء وقرر منحه مكالمة لأهله. لم يتمكن من تذكر رقم أبيه، فاتصل بأمه، وكان يحمل هم سماعها لصوته بعد هذا الغياب.

قبل شهر كان يمشي في الشارع حين ناداه شخص، وطلب منه أن يأتي معه لحديث قصير، وحينها أدرك أنه بين يدي مخبر، فاستأذنه في أن يكلم البيت أولًا، فقال المخبر أنه لا يوجد ما يدعو للقلق، كلها خمس دقائق من الدردشة!

مضى مستسلمًا، وفوجئ بعد دخوله القسم بمن يلقيه في الحجز. في الصباح عصبوا عينيه، ومن حينها لم ير الضوء طيلة أسبوعين! وفي الترحيلة سأل عن وجهته، وكانت سيارة الترحيلات تمضي ثم تقف مرات عديدة، توزع بضاعتها على الوسطاء، فلم يجد من يجبه. كان يائسًا أشد اليأس، وحتى الآن لم يدر كيف تجاوز ما كان، وقرر ألا يقص ما جرى هناك، فقط حين خرج قال: سأخبر الله بكل شيء.

حين سأل أحدهم عن سبب ما حدث له، سأله عن عمله، فقال إنه مندوب مبيعات، فتفكر الرجل لوهلة، ثم قال: كله متعلق بـ«التارجت»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد