دعني أحكي لك حكاية ظريفة، كان فيما كان، فيما بعد الحرب العالمية الأولى، وما كادت آثار الحرب أن تخبو، حتى استعر ما استعر، في أوخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، صعد رجلان إلى السلطة الكاملة في بلديهما؛ جوزيف ستالين في الاتحاد السوفيتي، وأدولف هتلر في ألمانيا. هذان الرجلان لم يجيدا فقط الوصول للسلطة الكاملة، لكنهما كانا يجيدان ما ساعدهما في ذلك بالأساس على فرق لصالح الثاني عن الأول؛ فقد كانا يجيدان فن الدعاية، أو ما هو شائع تسميته بالبروباجندا.

ثم ساعدهما في ذلك –في العشرينيات- أن التكنولوجيا قدمت للبشرية لأول مرة وسيلتين جديدتين مبهرتين من وسائل الإعلام في حينها؛ فقد ظهر الراديو، وتألقت السينما. بالبروباجندا تمكن الرجلان من سلطتهما الكاملة. البروباجندا الإستالينية سيطرت على الاتحاد السوفيتي بشكل كامل تقريبا. البروباجندا النازية تعدت الحدود، بل عبرت القارة، ووصلت أمريكا، وغزتها.

اضطرب المجتمع الأمريكي، أو –بوصف أدق- اضطرب العلماء المختصون؛ لسببين اثنين:

أولهما

أن البروباجندا النازية كان لها تأثيرها الملحوظ في المجتمع الأمريكي، وكان هذا في غاية الخطورة؛ البروباجندا النازية تخالف أصول ما كان المجتمع الأمريكي يحاول أن يرسيه لنفسه من قيم وهوية – متمثلة في «الديمقراطية»، وما حولها-.

ثانيهما

وهو الأسوأ بالنسبة للعلماء- أنهم لم يفهموا بوضوح كيف تعمل البروباجندا، ولا لماذا هي مؤثرة كل هذا التأثير، وبالتالي لم يفهموا كيف يمكن مواجهتها أو التعامل معها.

وكان للاضطراب أثره، أُلف العديد من الكتب والمؤلفات، ووُضع الكثير من الآراء والتنظيرات، وكان العلماء على ذلك مختلفين. ربما من أبرز من كتبوا وقالوا في ذلك الوقت هم ثلاثة:

الأول، هو هارولد لاسويل (عالم سياسة، ومنظر في مجال الاتصال)، كان قوله يتركز على أنه لا سبيل لمواجهة البروباجندا النازية «السوداء» إلا ببروباجندا أخرى أمريكية «بيضاء»، لا سبيل لمواجهة بروباجندا «الديكتاتورية» إلا ببروباجندا «الديمقراطية»، وعلى هذا فقد كان يرى أن مهمة تجميع المعلومات وإيصالها للناس – أي «الإعلام»- يجب أن تكون مهمة النخبة من العلماء، يؤدونها ناحية سواد العامة.

الثاني، هو والتر ليبمان (كاتب، وصحافي سياسي)، أيد لاسويل وشد على يده، وأزاده في القصيدة بيتا برؤيته التي طرحها، ومفادها عدم إمكانية المراهنة على وعي العامة لمواجهة البروباجندا؛ فهم –بوصفهم عامة – لا يمكنهم فهم المطبخ السياسي وما يحدث في الكواليس، وأن الرجل البسيط الذي لا يمكنه فهم الفيزياء لا يمكننا أن نتوقع منه فهم السياسة.

أما الثالث، فهو جون ديوي (فيلسوف، وعالم نفس)، وقد عارض الأولين وفكرهما، وقال بأن الحل يكمن في توعية الشعوب، في توعية الناس، أصر على أن الحل يكمن في التنوير. قال هذا انطلاقا من اعتناقه لفكرة التوعية العامة، ومن رؤيته لدور الإعلام والصحافة –أصلا- بأنه لا يجب أن يقتصر على الإخبار بالأحداث الآنية أو ما شابه، بل أن يتحرر إلى مناقشة وتحليل ونقد ما وراء الحدث، أن يتعدى إلى الفلسفات والمسببات في التاريخ. كان مقتنعا بأن الصحافة يجب عليها أن تتحمل مسؤولية التنوير وفتح مجال للنقاش العام والاختلاف والثراء الفكري، وتشجيع التفكير الناقد.

ويبدو أن الحال لم يكن يسمح للاختلاف أن يستمر دون تطبيق، فاجتمع –في عام 1937- مجموعة من الصحافيين والأكاديميين وعلماء الاجتماع، وأسسوا ما أسموه «مؤسسة تحليل البروباجندا» Institute for Propaganda Analysis.

هذه المؤسسة مالت لفكر ديوي التوعوي، وكانت رؤيتها المثالية أن تبدأ حركة توعوية في جميع أنحاء العالم لمواجهة تأثيرات البروباجندا، وقد بدأوا في وضع آليات مبسطة تشرح للناس كيفية عملها، أسموها بالتكنيكات السبع للبروباجندا Seven Propaganda Techniques، ووضعوها كالتالي:

  • إطلاق الأوصاف السيئة Name Calling:

إطلاق الأوصاف والنعوت المهينة والسباب على «الطرف الآخر»، هدفها إيجاد حالة من عدم الثقة في هذا «الطرف الآخر»، ويكون هذا مهربا لصاحب البروباجندا لنقد الفكرة بالفكرة.

 

  • التعميمات البراقة Glittering Generalities:

ويقصد بها الكلمات التي ليس لها معنى محدد، فكلمات مثل (الديمقراطية – الحرية – الإرهاب – الحب – الأخوة…) يختلف معناها من شخص إلى آخر. قد لا تكون المشكلة في هذه النوعية من الكلمات في حد ذاتها؛ فكثيرا ما نستخدمها في حياتنا اليومية، بل المشكلة في كيفية استخدامها. أخونا صاحب البروباجندا يستخدم هذا التكنيك لإلباس الطرف الآخر أوصافا دون أن يكون مضطرا أن يثبتها بالدليل؛ وما الذي سيثبته بالدليل؟ فلا شيء محدد أصلا!

  • استغلال الثقة في المؤسسات Transfer:

أي استغلال ثقة العامة في بعض المؤسسات، فبحمل أخونا هذه المؤسسات –بطريقة ما أو بأخرى- على تأييده، ستصبح كفته أرجح. ربما أبرز مثال على ذلك المؤسسات الدينية –أو غيرها- حين تؤيد صاحب البروباجندا.

  • استغلال مصداقية الأشخاص Testimonial:

والاستغلال هذه المرة يكون في ثقة الناس بشخص بعينه؛ فإن كان فلان بجلالة قدره يؤيد هذا، فلم لا تؤيده أنت يا من لا تفهم؟

  • التبسط Plain folks:

يكون أخونا أكثر تأثيرا حين يظهر في مظهر الشخص العادي «واحدا من الناس»، «ابنا للشعب»، أو الأخ أو الأب أو الفلاح أو العامل، أو كل هذا في آن واحد!

  • القافلة Bandwagon:

فينا –بوصفنا بشرا- ميل للبعد عن أن نكون في الأقلية، وأن ننتمي لناحية الأغلبية، ناحية الكثرة، فهذا يمدنا بشعور أكبر بالأمان والصواب. أخونا –صاحب البروباجندا- يستغل هذا، ويصور نفسه طيلة الوقت بأن الأغلبية معه هو، وأن مَن دونهم – هؤلاء على «الطرف الآخر»- هم قلة شريدة. ولا حاجة للقول إنه لا يعتمد في هذا التصوير على معلومات وأرقام حقيقية، بل أحيانا لا يعتمد على معلومات وأرقام أصلا، حتى ولو من باب الكذب.

  • خلط الأوراق Card-stacking:

يجزم أخونا أن كل ما هو ممتاز وإنجاز عظيم وابتكار خلاق هو من عنده وله، و كل ما هو شر ومكروه وغبي هو من عند ذلك «الطرف الآخر»، هذه هي التكنيكات السبع التي وضعتها المؤسسة IPA، وقد عملت على نشرها بوسائل مختلفة، ودمجها في المناهج التعليمية في المدارس وغيرها، ويبدو أنها قد حققت نجاحا ما مع بعض الانتقادات التي وجهت لها.

كمالة حكايتنا أن هذه المؤسسة ذاتها لم تستمر طويلا، فبعد أربع سنوات –في عام 1941- أعلنت المؤسسة توقفها في بيان أسمته «نقول وداعا» We Say Au Revoir ، عللت فيه قرارها بما معناه أن المصلحة الوطنية تقتضيها أن تتوقف.

نعم، فقد كانت أمريكا – نفسها- تخطو خطواتها الأولى للدخول في الحرب العالمية الثانية، وكانت قد بدأت هي –على نهج أصدقائنا لاسويل وليبمان- في بروباجندا أمريكية هذه المرة؛ تهدف لتهيئة الرأي العام في أمريكا للدخول في الحرب.

واستمر استخدام أمريكا للبروباجندا في الحرب العالمية الثانية، وما بعدها في الحرب الباردة، وما بعد بعدها، حتى كان من أبرزها وأقربها إلينا ـ ربماـ هي البروباجندا الأمريكية في حرب العراق 2003.

أتسأل عن النهاية؟ كم أهوى أن أترك لك النهاية مفتوحة؛ ليس لعبقرية مني ولكن لأن النهاية لم توجد أصلا، كل ما يمكنني أن أختم به حكايتي لك هو تذكير أنفسنا بمحاولة ألا نسمح لتفكيرنا بأن يقع في الضحالة قدر الاستطاعة، ويبدو أن هذا شائع لنا حين نقرأ عن البروباجندا في العموم. تكنيكات البروباجندا السبع وغيرها هي –أولا وأخيرا- وسائل للدعايا والإقناع، فليس كل من يستخدمها هو «سيئ» و«شرير» ولا يجب الاستماع له وتفهم رأيه، دعنا نحاول الاعتراف بتحيزاتنا الداخلية الشخصية، ثم دعنا نحاول التحرر منها.

دعنا نفكر بشكل ناقد، دعنا نفكر بشكل منفتح. دعنا نحاول أن نكون من بني الإنسان بحق، ودعنا – مرة أخرى- ننظر في كل الاتجاهات من كل الأنواع – سياسيا وتجاريا وغيرها – فلربما نقدر على رصد ما يكمل حكاياتنا؛ فحكايات البروباجندا مستمرة، والمسلسل لم ينتهِ.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد