المسافة بين نقش ونقش على شجرة حملت الكثير من حروف صِبْيةٍ وجدوا في النحت عليها بأداة حادة وسيلة للتعبير عن قوة عاطفتهم، ومهما بدا عليها الازدحام فدوما هنالك فراغات أخرى للمزيد من أول حرفين لعاشقين اثنين بينهما قلب يخترقه سهم.

وما بين جدران لمنطقة سكنية كتب عليها بخط كبير (أحبك) وتلت الكلمة أسماء متعددة في مختلف البقاع وكأنه شيء وجب الإعلان عنه، وصورة ما ذهنية للرجل الذي يجلس أسفل نافذة فتاة ليعزف لها أناشيد حبه، وآخر ينحني ليربط لها رباط حذائها، ورجل يقطع الصحراء حافيا حين فقد الأمل في ليلاه فراح يقبل ذا الجدار وذا الجدار.

وبين شابة تقص له كل ليلة حكاية حتى ينام، من ضمنها حكاية المرأة التي لبست لباس فارس وراقبت أرض المعركة من بعيد حين رأت من يهم بالنيل من زوجها ركضت مسرعة حتى تذود عنه فقتلت هي، وأخرى تسافر معه وهي حامل كي يبحث عن عمل ينظر لها بتأسف وهي تتبسم له بهدوء، ومن بعد موت زوجها لم تتأخر عن إحضار الصحف اليومية كما كان يفعل وتمر السنون وهي تكدس صحفا لا تطلع عليها، والأخرى التي انتظرته وطال غيابه تقدم لها رجال فأخبرتهم حين أنتهي من غزلي ولا يعود تعالوا ثانية، فباتت تغزل غزلها نهارًا وتنكثه ليلا.

ورجل أحضر وردة صغيرة لحبيبته وقال: مكانها بين شعرك، ورجل نظر لخدي حبيبته طلب منها الانتظار وذهب ليحضر وردتين عاد قائلا: مثل خديك تمامًا، وراح آخر وقطف الكثير من الورد وقال: جمالك لا نهائي، ثم أصبح العشاق يتهادون بالورد، لا يقطفونه بعناية بأيديهم لكي يتدربوا على أن حتى الأخذ يتم بلطف لكي ينمو مكانه جديد، بل يشترونه بمال ويهدونه لمن تنتظر وردًا لكي يكون دليلا على حب ما.

وروميو حين سدت الطريق بينه وبين جولييت، أحبا الحياة واتفقا على الهرب لخلل ما في وصول الخطة كتب على كل منهما أن يرى حبيبه مجثيًا أمامه فيختار رفض حياة لا وجود للآخر فيها، وشابان لم يجدا للوصال طريقًا أحضر كل منهما سكينا واتفقا على موت هادئ؛ قطع شرايين اليد. بدأت الفتاة وتأخر الشاب قليلا رأى الدم ينزف منها خاف وفر هاربا، ومن خاف عليها فرافقها في عملها كمراسلة.

من كتب شعرًا ورسم رسمًا، مَن نحت ومَن ألف موسيقى، ومن أحب زوجته فجلس بجوارها يرسم لوحات لها قيل في القرية بأنها لم تكن جميلة وقيل بأن لوحاته تظهر شيئا مختلفا فيها، والموسيقي الذي رأى زوجة صاحبه الموسيقي أيضًا فأحبها، بعد سنين مات الزوج حاول العشيق الاقتراب فرفضته. حين ماتت هي لحق بها بفترة قصيرة. والسياب الذي رضي عن بنات كثيرات ولم يرضين هن عنه كان يجرح ويكتب شعرا حرا ويقال بأنه أول من كتب شعر التفعيلة، من ألقى عليها ذات صباح: (أعدي لي الأرض كي أستريح فإني أحبك أحبك حتى التعب)، وجبران الذي ابتدأ بسلمى وختم بمي، ومن تركها تذهب لتتم دراستها وعاد هو إلى البيت بعد رحيلها يتذكر لون جوربها.

وأميرة صينية كانت على علاقة بجنرال إنجليزي، كانت سعيدة به فأرادت أن تهديه ما لم يهد من قبل لحبيب فقالت له سأخبرك بسر ولا تخبر أحدًا: هل تعرف من أين يأتي الحرير؟ لدينا دودة صغيرة تقوم بصنع الخيوط.

وكان هنالك روس ومثيله رونالد مَن على استعداد أن يكونوا لطفاء مع كل نساء العالم بدون تفكير، ما الذي يجعل كل امرأة بشكل فردي تشعر بالكمال، وهنالك مقامر ديستوفسكي الذي أمرته باولين بفعل شيء شديد السخف اذهب وأحرج زوج هذه البارونة فذهب، ومن انتظر السيدة التي تكون على استعداد للاستماع لقصة حياته فكانت سليمة غرناطة.

ومن تنتظر الشاب الذي يأتي فتقول له: كن كل هؤلاء أو أكثر قليلا، لا تعرف بأن فيه من هؤلاء دون أن يكرر أي فعل إن أحبها حقًا.

ومن كتب لحبيبته: أحبك فقط هذا كل ما في الأمر، لا أجد غير كلمة أحبك، أحبك أحبك بجنون، حب قيس لليلى وروميو لجولييت، أحبك حب كل الرجال الذين أحبوا بصدق كل النساء اللاتي يستحققن، أحبك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد