عندما يرتقي التفكير ونصل إلى مرحلة النضج؛ لا بد لنا أن نأمل بالتغيير والارتقاء إلى حيث نريد، هذا ما تقوله فلسفة المنطق، ونظريات الأولين، وتجارب الأمم التي سبقتنا إلى الارتقاء والقمة؛ لنا أن نرتقي بأفكارنا وتصرفاتنا الأقرب إلى التوازن، وبتغيير أسلوب ونمط حياتنا المتبع، أو بالأصح نمطنا الروتيني المعتاد عليه في تصريف وتيسير أمور حياتنا، حينها سنحقق جزءًا من التغيير الذي نطالب به، ونأمل أن نكون عليه، والذي ربما سيجعلنا أكثر تحررًا ورقيًا، ويجعلنا في مستوى التفكير البشري الذي ميزنا الله تعالى فيه عن باقي مخلوقاته.

تفكير الإنسان المنطقي الأقرب إلى العقلانية والبعيد جدًا عن السطحية، والركاكة، والهزل الثقافي المفرط؛ فالعقلية السطحية الهزلية لا يمكن لها أن تقودنا إلى مكانة تليق بمجتمع إنساني كرمه الله عن غيره، وجعله في مقام أرفع من مقام البهائم، والحيوانات السابحة في ملكوته. كرمه باعتباره إنسانًا صاحب عقل، وهدف، وفكر، لا يُستهان بقدراته وإرادته العظيمة، في بلوغ الهدف المراد نواله.

يجب أن ندرك أن التغيير لا يبدأ، أو ينحصر بثورة انتفاضة؛ سواء كانت ضد الجهل أو التخلف، أو من أجل الحرية، أو حتى ضد حاكم ديكتاتوري؛ إنما التغيير هو تغيير فكري شمولي، لكل ما يخص الحياة الإنسانية، أكثر مما هو تغيير لأحوال الواقع وتفاصيله؛ كون الإنسان يرتقي بفكره، وأخلاقه، وقيمه، وأسلوبه النبيل السامي.

الإنسان بطبيعته يتغير بثقافته، وبعلمه الواسع، أو قد يتغير بفن له رسالة، وهدف مثالي، أو بطفرة تكنولوجية؛ تكون نتاج اكتشاف يغير مجرى العالم كله.

صعب على البشرية والمجتمعات أن تنال التغيير، ما لم تكن قد غيرت هي من واقعها المحيط، ومن ذاتها؛ فالأسرة نواة لحدوث التغيير الحقيقي الذي يعتمد عليه في الانطلاق إلى نطاق المجتمع المحيط، ثم إلى الدولة والعالم، غير ما ذُكر يمنع الحديث عن أحقية الشعوب بالتغيير، والنهوض، والارتقاء إلى حيث تشاء.

ارتقاء الفكر البشري مطلوب قبل كل شيء، وهو من أولويات العيش على جغرافية ونطاق هذه الحياة والكون، ومن دون التغيير يجد الكائن البشري نفسه في نطاق محصور، لا يوجد فيه سبيل للتجارب؛ لأن التغيير بالنسبة للأمم سنة كونية، وحقيقة مسلم بها، يراهن عليها برفع المجتمعات من حال سيئ إلى حال أفضل.

نحن ندرك أن مجرد التفكير بلا شك يعلمنا أساليب جديدة تمكنّا من الوصول إلى طرق تجعلنا ننال التغيير، ونحققه ونعايشه، بكل بساطة ويسر، ومن دون تكلف، أما إذا أدخلنا مبدأ الاتكالية والاعتمادية على الغير بكل تأكيد سنظل حبيسين لأفكار الغير، ومحل مقت وابتزاز، إلى أن يتقدم بنا العمر، مع الإصرار على التخليد المسبق، والتوريث لجيل قادم، نكون نحن شركاء في صناعة مأساة تساهم في إعاقة التفكير أمامه، وأمام مصيره، إن لم نكن على حذر من ذلك.

هذا ما لا نريده أن يحصل لحالنا ولواقعنا، رغم إن براهين الواقع تجزم على أننا قد وقعنا في الفخ، وأن الفكر المنحط والعقلية الطائشة قد حلت باعتبارها بديلًا، أُدخل في الخدمة، دون أن نأبه لذلك، وقد جاءت كل الأفكار الهدامة التي تسربت إلى مجتمعنا بطرق أكثر ذكاءً ودهاءً من قِبل أُناس أشد عدوانية لمشاريع التغيير والتحضر والثقافة، وأشد رفضًا لكل ما هو إيجابي، وعائد بالنفع على أبناء المجتمع الواحد. اليوم هناك جماعات وتيارات تفرض منهجها، وترفض مناهج التحديث والتغيير والتنوير؛ لأنها تدرك إذا حلت مناهج التنوير باعتبارها بديلًا لمناهجها الأكثر انتقامية وعداوة، ربما تكون قد قاربت في أجلها، وسقوطها على أيادي وعقول المتنورين، والمتزنين في تصرفاتهم مع واقع المرحلة.

أرادت تيارات لمناهجها وسياستها أن تُفرض بالقوة، متحججة باسم التنوع الثقافي، وكان الإرث التاريخي باب سهل لترويج أفكارها، وقيمها ومشروعاتها الأكثر ظلامية عن غيره، نجد ذلك في سلوكها ومشروع ثقافتها البغضاء، حيث تريد تفكيك المجتمعات المتعايشة، ولا تريد لهم أن يتغيروا نحو الأفضل، باذلة كل ما تملكه لبطء حدوث التغيير، والخروج من دائرة التخلف والجهل والمرض إلى عالم التنوير والتحديث.

هي لا تريد لأي مجتمع كان أن يرتقي بأخلاقه وتفكيره، لا تريده أن يكون متنورًا بعلمه وثقافته، بل يكون مجتمعًا متخلفًا ومتقوقعًا في أسلوب فرضته قبيلته المصغرة عليه، يبدو أن هناك انتهاك واضح لحرية التفكير والتغيير لمن يحملون مشاريع التغيير والنمو والازدهار.

إن تغييرًا في ظل وجود مجموعة لا تؤمن بالتغيير باعتباره مبدأ مُسلمًا به، لا يمكن أن يتم إن لم تسبقه ثورة فكرية ترويجية، تمهد لحدوث ذلك التغيير الذي يريد الكل أن يصنعه، لتكن هي البداية؛ ثم نتبعها بثورة الكفاح النضالي يكون القائد فيها هم البسطاء، والكادحين، ومحدودي الدخل، والطلاب، والنخب الثقافية، والأكاديميين، وأصحاب القضاء. إن الشارع العربي يحتاج مسيرات القصد منه تغيير لكل تفاصيل الواقع، وتغيير يتمرد في وجه كل من حرض وعبث وخطط لتدمير وطحن أهدافنا، التي كدنا أن نصنع منها تغييرًا حقيقيًا؛ يعود بالنفع والمنفعة على كل مواطن شريف وغيور على بلده وأرضه.

قال الله – سبحانه وتعالى – في محكم كتابه: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»؛ لهذا على الأمة المفتقدة إلى التغيير أن تدرك جيدًا أن تغيير النفس قبل أن تغيير المجتمعات أو الشعوب بأكملها، ونية التغيير تبدأ من نطاق البيت والأسرة، ثم تنطلق نحو المجتمع؛ وبهذا تبدأ ملامح التغيير بالظهور باعتبارها سلوكيات وتصرفات نتاجها الفرد ذاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد