لا توجد مؤامرة علينا ولكن كان بالعراق أسلحة دمار شامل جعلت القوات الأمريكية تغزوها من أجل ألا تستخدم تلك الأسلحة في الفتك بالأبرياء في العالم، وفي سبيل ذلك قتلوا ما يقرب من مائة وواحد وخمسين ألف شخصٍ طبقًا لوزارة الصحة العراقية (ومليونًا و33 ألفًا طبقا لمركز استطلاعات ORB) من أطفال ونساء وشيوخ وشباب العراق حتى يحموا العالم من الإرهاب، وبعد ذلك اتضح أنها كذبة كبيرة ولكن بعد أن فات الأوان ولم يعد هناك العراق الذي نعرفه!

لم تكن هناك مؤامرة حين تم ضرب القذافي والشعب الليبي وإغراقه بالأسلحة وتحويل المجتمع الليبي المسالم لكتائب حربية تناحر بعضها بعضًا حتى سقطت الدولة في أيدي المليشيات وغاب الأمن عن رجل الشارع!

لم تكن هناك مؤامرة على اليمن عندما تم نشر الفوضى فيها واستباحت البيوت والحرمات وتمكن العنف من الشارع اليمني، حتى لم يعد فيها رئيس ولا رئيس وزراء ولا وزراء ولا برلمان قبل عاصفة الحزم، وأصبحت البلطجة هي سيدة الموقف في المشهد الكئيب!

لم تكن هناك مؤامرة في سوريا حين تم تمكين داعش من أكثر من نصف الأراضي السورية، وصار السوريون الذين كانوا يحلمون بالحرية بالأمس القريب يحلمون بمكان يعيشون فيه بأمان حتى لو في آخر العالم، وتفككت الأسر وصار الأب والأم والأبناء كل واحد فيهم يعيش في بلد مختلف، وصارت دولتهم فريسة لنظامهم القمعي من جهة وللدول الأجنبية من جهة أخرى، وصار الجميع فيها يضرب بالبارود بلا استثناء نظاما كان أم معارضة! حتى وصل عدد ضحايا الحرب في سوريا إلى 215 ألف قتيل وما يقرب من ثلاثمائة ألف جريح فضلا عن النازحين من بيوتهم والذين تجاوزوا الأربعة ملايين مواطن سوري.

ليس من باب الصدفة أن تسقط هذه الدول وتتقسم فيدراليات أو تنقسم لدولتين، حتى أنه في ليبيا يوجد جيشان وبرلمانان وكل واحد يسيطر على جزء من الدولة، وفي اليمن صار الأمر كذلك، وفي سوريا يكون عدم التعليق أبلغ وصف لما يجري هناك!

ومع ذلك ليس من مؤامرة ولا أوجه شبه وكأن الصدفة وحدها هي التي قادت عالمنا العربي إلى جهنم!

أما لدينا في مصر، فليس لدينا أي مؤامرة للسيطرة على تلك الدولة الأكثر قوة عربيًّا وأفريقيًّا وصاحبة الحضارة وأول دولة عرفت في التاريخ بحدود واضحة وجيش نظامي محدد، ومنذ ثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة والتي أبطل فيها الجيش سيناريو الفوضى حين انحاز للمطالب المشروعة من الشعب، ويسقط حجج المغرضين وقتها حين ظنوا أن الدولة جزء من متاعهم الشخصي وراحوا يشكلون الوزارات على أهوائهم، ويحاولون فرض مجالس رئاسية تدير شؤون البلاد مثلما كان يحدث في دول مجاورة. وقطعا يفهم من ذلك أمور كثيرة لكنه قاد المرحلة الانتقالية بكثير من المسؤولية وقليل من الأخطاء وأجرى انتخابات برلمانية ورئاسية، واستفتاء على الدستور، واحترم صوت المواطن واحترم خياراته لأول مرة في التاريخ الحديث.

وعندما نزلت الجماهير للمرة الثانية للميادين بعد أن لم تمكن من الذهاب للصندوق، احترم خياراتها أيضًا حين طالبوا الرئيس بانتخابات مبكرة، لكنه أصر على شرعيته التي كانت تبدو وقتها مهلهلة أمام الغضب الجماهيري الواسع، وكان نزول الجيش مانعًا ثانيًا لفوضى كادت تضرب بالبلاد.

أن تقيم ثورة فهذا حقك، وربما من حقنا أيضًا. لكنه الثورة بلا رؤية دمار وعندما تسقط نظامًا عليك أن تكون متأكدًا أنك تستطيع ملء هذا الفراغ الذي أحدثته. ولعل هذا يتضح في ليبيا عندما سقط القذافي بأيدي حلف الناتو وسقطت حكومته، لم يتصدر المشهد سوى الفوضى والعنف والاختلاف. وعندما تريد إسقاط بشار فلا يمكنك أن تمسك السلاح إلا وتتوقع أن تعيش مشهدًا مأساويًّا ولن تنفعك شعاراتك ولا السفسطة التي تهرطق بها على مسامعنا، ولا الكذب الذي يخدم من يدفع الأموال ويصنع فضائيات تستخدمها في تحقيق أهدافك، ومن يعطي السلاح!

أن تقيم ثورة فعليك أن تكون متأكدًا أن من خلفك يمثلون أطيافًا مختلفة من الشعب، لأنه في مصر لدينا 90 مليون مواطن وليس من حق مائة أو ألف أو مائة ألف، أن يهدموا بيوتنا بشكل مجاني لتحقيق أهداف استعمارية لم تغب عن عالمنا العربي منذ خرجت من ديارنا.

أن تقيم ثورة فعليك ألا تصطدم بمؤسسات وطنك، لأن كسرك إياها هو كسر للوطن لأنه من العار أن تقول بأنه لا حل إلا بتطهير المؤسسات بإزالتها وإعادة بنائها من جديد، لأننا نعلم بأن لك خبرة في الهدم لكننا لم نعرف قدرتك على البناء بعد!

إن مصر بعد 30 يونيو ليست في أفضل حالتها بالفعل، لكنها لم تكن قبل ذلك في مشهد مختلف كثيرًا عما قبل 25 يناير. لكن الجديد فعلا أن كلمة الثورة أصبحت كلمة سيئة السمعة وكانت من قبل روحًا تدب في الأرواح؛ فتدفع الأجساد للاحتشاد في الميادين، وتحمُّل الطقس السيء، وتحمل الوقوف في الشمس في نهار رمضان. والجديد أيضًا أن الثورة ارتبط مفهومها بفكرة المؤامرة على الدولة، ولعل من المثير للسخرية أن الثورة انحسرت في الهاش تاج وأكبر إنجاز يستطيع أن يقنعك به من يرتدي ثوب الثورة أنه تصدر المركز الأول في هاش تاج، بينما الشارع يئن ويعتريه القلق على وضعه الاقتصادي، ويعيش هموم مشاكله الاجتماعية، منفصلا بذلك عن كل الأوهام التي تتحدث عن الرجوع للميادين وأوهام الاصطفاف وهذا العالم الافتراضي الذي يعيشونه ليس هو عالمنا!

الثورة هي أفكار تخدم المجتمع وليست تغييرًا للمؤسسات ولا النظم. والثورة هي أفكار تدعو للإنتاج والعمل والتحرر من الرأسمالية المتوحشة (التي كونت نفسها من سرقة مقدرات الدولة من أراضٍ وتهرب ضريبي واقتراض من البنوك) التي أبعدت الفوارق بين الطبقات وأخفقت في التوزيع العادل للإنتاج.

الثورة هي إعادة ترتيب ما هو موجود، وهي احترام القانون والقضاء وتحقيق المساواة بين الناس، وتحقيق تأمين طبي لرجل الشارع العادي بما يسمح أن يتلقى العلاج بشكل آدمي، وتكون المستشفيات على أعلى جودة في المعايير.

إن الثورة ليست احتشادًا في الميادين ولكن احتشاد في المصانع والمزارع.

إن الثورة ليست تقسيم الناس إلى أحرار وعبيد، ولكن تحقق التوافق بين أبناء الأمة الواحدة وتقيم برنامجًا أخلاقيًّا يجعل سائق السيارة يمتنع عن تجاوز السيارة التي تليه فيعرض حياته وحياة أخيه المواطن للخطر. والثورة هي تكافل أبناء القرية في بناء العيادات التي توفر علاجًا رخيصًا، وتسابقهم في الأعمال التطوعية لرفع الأمية عن شباب القرية وشيوخها.

إن الفارق بين المؤامرة والثورة؛ أن الأولى تريد الهدم، والثانية تريد البناء. فإذا سمعت من أحد قولًا فقم بقياسه على ذلك الميزان. فالوطن لن يحيا على عصيان أفراده عن العمل، ولن يحيا بتوجيه السباب لهذا وذاك، ولن يحيا بالتسابق على الهاش تاج في مواقع التواصل الاجتماعي، ولن يحيا بصناعة الأوهام، ولكن يحيا بالعمل وسيادة القانون واحترام الناس بعضهم بعضًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثورة
عرض التعليقات
تحميل المزيد