هذه البرامج هي نتاج للأزمات والحروب التي تعيشها المنطقة، والحياة الصعبة التي يعيشها الناس حتى تخرج من حياة البؤس والشقاء عبر الضحكة والابتسامة والسخرية، والسنوات القادمة ستحمل العديد من هذه البرامج عبر فضائيات عدة.

ومع مرور الزمن بدأت هذه البرامج تأخذ أشكالًا غريبة عنها، فلجأت إلى الإثارة غير المستساغة، والنكتة التافهة، والإساءة إلى العلماء وطلبة العلم وعدم إنصافهم، بالإضافة إلى الارتباط بأجندات إعلامية معينة، مع تعمد إغفال القضايا الساخنة والمؤثرة على مصير المجتمع السوري، ودخلت في صراعات شخصية، وغلبت الإثارة في الشكل على الاهتمام بالمضمون والأفكار، وسعت عبر تسطيح الآراء إلى استهداف قطاع جمهور الإثارة دون الالتفات إلى المحتوى.

ويجدر بنا أن نقف على الحلقة 12 من برنامج (السيناريو)، حيث كان همام حوت موفقًا في فضح مشايخ النظام ووقوفهم مع الظالم ضد المظلوم إلا أنه لم ينصف العلماء وطلبة العلم في حلقته، وساهم في تشويه صورتهم، وهم الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم، فعددٌ من جمهوره ليس من الجمهور الواعي المتابع للأحداث والقادر على أخذ الحيطة والحذر، بل هو عبارة عن شريحة واسعة معظمها من الشباب والمراهقين الذين يبحثون عن الضحك والتسلية والترفيه، بالإضافة إلى الجمهور الحاقد على الإسلام وطلبة العلم والعلماء والذي لا يَعرف شيئًا عن دورهم الكبير في الحراك السوري.
وبدلًا من أن يقوم هذا البرنامج على التوعية السياسية وكشف المتآمرين على الوطن والثورة وتحريك (جماعة الله يطفيها بنوره) وخلق وعي سياسي واجتماعي ومحاولة ترقيع العقد الاجتماعي المشروخ بدلًا من ذلك كله يقوم بتجاهل دور العلماء وطلبة العلم في خدمة هذه الثورة.
وأخشى ما أخشاه أن يتحول هذا البرنامج مستقبلًا ليمارس دور الأحزاب السياسية في طرح أجندات خاصة بها مبتعدًا عن روح الموضوعية والمعايير المهنية في الأداء الإعلامي.

وما تم طرحه في البرنامج ليس من الحرية الإعلامية في شيء، فالقائمون عليه يتصورون أنّ حرية الإعلام أن يترك كل شخص لنفسه العنان لنقد وهدم أي شيء وكل شيء، مع هدمٍ منظمٍ لقيمٍ اجتماعية دينية كانت راسخة في المجتمع السوري، حرية الإعلام من وجهة نظرهم أنه لا ينبغي على أحد أن يراجعهم فيما يبثونه، خدمة لتوجهاتهم وأيديولوجياتهم.

والجمهور من خلال ما تم بثه في هذه الحلقة مع التحيز الواضح الملموس يعتمد على رسم الصور الذهنية لهذه الحقائق المشوهة عن العلماء وطلبة العلم، ومع تكرار النشر ومرور الوقت عبر برامج ومسلسلات متعددة، فإن هذه الحقائق المشوهة التي تنشرها مثل هذه البرامج تتحول إلى حقائق اجتماعية يجتمع حولها الجمهور ويتفق عليها مما يؤدي إلى تكوين الانطباعات والصور عن الأشخاص والجماعات المختلفة بما تمتلكه من جاذبية الصوت والصورة التي ترتسم في ذاكرة الشخص تجاه الأفراد والجماعات انطلاقًا من تعرضه للمواقف المختلفة بشأن هؤلاء الأفراد أو الجماعات، حيث تصبح مع مرور الوقت مصدرًا مهمًا في اتخاذ أحكامه ومواقفه في الحكم على هؤلاء سلبًا أو إيجابًا، فلقد ساهمت هذه الحلقة – بالإضافة إلى المسرحيات القديمة لهمام حوت وهو الذي يلعب نفس دور عادل إمام وغيره في مصر – في تشويه صورة العلماء وطلاب العلم.

وبعد هذه الحلقة انقسم الشعب السوري في مواقع التواصل الاجتماعي على نفسه ما بين مؤيد ومعارض لما جاء في هذه الحلقة وبات الشعب يقضي أوقاته في التهكم على العلماء وطلبة العلم، ونحن الذين نحتاج لمن ينير درب الناس إلى طريق الإيمان في ظل حرب مسعورة على الإسلام وأهله.

ويبدو أن الأخ همام حوت تناسى أن المسؤولية الاجتماعية للإعلام ترتكز على ثلاث دعائم هي أنه حق وواجب ومسؤولية، فعندما يقوم بمخاطبة الجمهور عبر الشاشة لنشر الأخبار والمعلومات وفضح جرائم النظام فهذا أمر جيد، وعليه أن يقوم بذلك من خلال المهنية والصدق والموضوعية والتوازن والإنصاف والدقة ونقل الصورة الإيجابية لدور العلماء والدعاة، فصورة عابرة للشيخ حسن حبنكة رحمه الله لا تكفي في تصحيح الخطأ الذي وقع فيه، وهو الذي استضاف اللواء محمد فارس كصورة مثالية إيجابية عن المجتمع السوري الثائر وغابت هذه الإيجابية والمثالية عن حلقة طلبة العلم والعلماء.

والمسؤولية الاجتماعية تقتضي أنْ يكون برنامجه أداة هامة للحفاظ على القيم الثابتة في المجتمع، والروح التفاؤلية والقدرة على الصبر والتحمل لحقيقة الحرب الكونية على الشعب السوري، غير أنّ الرسائل التي كان يبثها دائمًا ما تأتي عكس ما يعلم، فلا نتصور أن شبابًا تقدم له كل هذه السلبيات الخاطئة في بعضها عن طلبة العلم والعلماء يمكن أن يكون حريصًا على خدمة وطنه والعمل والإنتاج والكفاح والعزيمة.

وختامًا أحب أن أُذكر الأخ همام حوت بالآتي:
1- الشهداء من طلبة العلم في حلب وحدها هم بالمئات موثقون بالاسم والمكان والزمان.
2- المعتقلون المغيبون في السجون هم بالمئات من طلبة العلم.
3- الشيخ أسامة الرفاعي نقل إلى المشفى بعد ضربه في مسجده وأمام طلابه ليلة القدر في دمشق.
4- شيخ قراء بلاد الشام الشيخ كريم راجح ممن منع من الخطابة وكان مسجده منطلقًا لمظاهرات دمشق.
5- عرضت على أحد مشايخ دمشق المؤثرين في المجتمع مئات الملايين من الليرات للوقوف مع الظالم ضد المظلوم ورفض.
6- آلاف الدعاة من طلبة العلم في الداخل السوري المحرر هم من خريجي المدارس الشرعية التي تكلمت عليها.
7- هذه المدارس كانت قبل الثورة تخرج طلبة العلم الذين ينيرون للناس طريقهم ولا ينكر فضل هذه المدارس إلا حاقد على الإسلام أو غائب عن واقعه.

وغير ذلك كثير، ولو أنك استشرت أحدًا من أهل العلم عندك في إستانبول حول هذه الحلقة لما مانع أبدًا من تقديم نصيحته، وذكر لك صورًا مشرقة لعلماء حملوا همّ المشروع الإسلامي التنويري، فأنت نظرت إلى نصف الكأس ولم تنظر إلى النصف الآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد