حين تخبر أحدهم أنه سيء، إن لم يكن كذلك حينها، أو لم يكن سيئًا للحد الذي تصفه، فأنت تساهم – غالبًا وبشكل جاد – في جعله أكثر سوءًا بالفعل.

في رواية جريمة حب Un Crime D’Amour للكاتب الفرنسي بول بورجيه Paul Bourget نجد هيلين شازلHélène Chazel الزوجة البائسة المحبطة التي تخون زوجها مع صديقه أرماند كورن Armand de Querne والذي تحبه حقًا وتجد فيه ما لم تجده في زوجها البائس المثير للملل والشفقة.

 

أرماند، الوغد حين ينهي مغامرته مع هيلين يخبرها أنه يعرف أنه ليس الأول ولن يكون الأخير وأنه عرف ذلك من رجل آخر – مسيو فاراد Varades – يدعي أنه كان عشيقها كذلك، ويتبين من هذا المشهد إنه حين كانت تنظر هيلين لما بينهما على أنه حب، كان هو يعتبره نزوة مع امرأة اعتادت خيانة زوجها.

 

بالطبع موقف هيلين دقيق وبه من السوء ما يكفي لقتلها أصلًا إذا وقفنا عند هذا الحد، ولكنه يتخذ المنحنى الأكثر سوءًا بعد ادعاء فاراد وكورن بكونها عاهرة، وتكون قمة المأساة في قولها لأرماند “لقد كنت لك وحدك، كما لو كنت قد عرفت أنني يجب أن ألتقي بك في يوم ما. آه! هذا هو ما أريدك أن تعرف.

 

كان يجب عليك أن تصدقني وتقول لنفسك: لقد كنت عشيقها الأول. لقد كانت تحبني مثل ما كنت أحلم، من كل قلبها، بكل كيانها، ليس فقط في الحاضر بل في الماضي أيضا، وبهذه المرأة التي أحبتني هذا ما فعلته: صنعت منها مخلوقًا لا يؤمن بأي شيء، لا يحترم أي شيء، اتخذت عشيقا جديدا لمجرد النزوة، وستأخذ واحدًا ثانيًا، وثالثًا، امرأة ضائعة – نعم، مرة أخرى، أنت الذي أضعتني، وأنا أريد، أريد منك أن تعرف، أن هذا هو انتقامي الذي لا تستطيع الشك به.”

 

في مثال آخر، في قصيدة هشام الجخ (مكملين)، يصرخ قائلًا: “ويقولّك إحنا عملنا فوضى! إحنا برضه عملنا فوضى؟! إحنا كنّا بنتجِلِدْ ونعيش ونرضى، إحنا كنّا بنتسِرِقْ ونعيش ونرْضَى، كانت الأسعار بتغلَا وكنت بارضَى، والشرطة بتفتّشني عادي في أيّ وقت ف أيّ حتّة، بدون مناسبة.. وكنت بارضَى، والانتخاب من سِنّ كام لِسِنّ كام، ما أعرفْشْ ليه.. وكنت بارضَى، جايّ النهاردة تقول لي إحنا عملنا فوضَى؟! طب فوضى فوضى!”.

النهاية التي وصل لها من سيل الادعاءات إنه “طب فوضى فوضى”.

نفس موقف هيلين، مع الفارق، تريدون عاهرة ؟! إليكم واحدة إذن، تريدون فوضى؟! هاكم الفوضى .

في الواقع، إن الاستجابة للادعاء والانسحاق والاستسلام له ليس حلًا أمثل، بل يكاد يكون ليس حلًا على الإطلاق، وهو إما نابع عن غباء ولا مسئولية مثل ما في حالة هيلين، أو نابع عن تهور بدافع انتقامي كما في حالة الجخ، وهو في الحالتين تنفيس عن حالة الغضب التي يشعر بها المدعى عليه.

مشكلة أصحاب القيم أنهم ليسوا أغبياء ولا متهورين، فلا ينسحقون للادعاء ويستسلمون له، يعرفون أنفسهم جيدًا، تثير حنقهم الادعاءات الكاذبة، سواء كانت عمدًا أو عن سوء فهم أو نقص معلومات، يبذلون ما في وسعهم لدرء الادعاء في نبل وحزم حسب ما يقتضي الموقف، وبغض النظر عن نتائج جهودهم في دحض الادعاء، يتبقى الغضب.

وهذا ما يجعل أصحاب القيم أقصر عمرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد