كلّ كاتبٍ يحتفظ بعشرات الأفكار التي يتمنّى أن يضعها في بطون الكتب، لكنّ الأوضاع التي يمرّ بها أحيانًا لا تساعده على الكتابة المباشرة لكلّ ما يريد، ومن هنا، نشأت فكرة استنطاق الآخر، الحيوان، الجماد، الإنسان بطل الرّواية، من أجل أن يتخفّف من ثقل المسئولية، وخلْق مساحةٍ من المراوغة تمكّنه من كتابة ما يشتهي.

من الكتب القديمة التي وصلتنا في الأدب العربي، وتحمل استنطاقًا مدهشًا لصنوفٍ كثيرةٍ من الحيوانات؛ كتاب: «كليلة ودمنة»، لكاتبه بيديبا، وهو من أكثر الكتب التي كثر الجدل حولها من حيث نسبتها، و«كليلة ودمنة» هما حيوانان من حيوانات ابن آوي، والحكايات كلها تدور في الغابة على ألسنة الحيوانات المختلفة، وقد رجّح بعضهم أنّ الكتاب يعود إلى القرن الرابع الميلادي، وتمت كتابته باللغة السنسكريتية، وأنه هندي الأصل، بينما شكّك البعض الآخر في تلك المعلومة، ونسبوا الكتاب إلى عبد الله بن المقفع نظرًا لكون الكتاب في لغته العربية هو الأقدم.

ما يهمنا في هذا المقام أنّ مضمون الكتاب جاء يحمل في طياته أفكارًا كبرى وردت على لسان الحيوانات، ما بين قصة، وحكمة، ومقولةٍ عابرة، وفكرة عزيزة، وهكذا يجد القارئ نفسه ينتقل من سماع حديث الأسد إلى القرد مرورًا بالغراب.

وقد استطاع الكاتب أن يحقّق هدفه، وأن يقدم للبشرية عملًا أدبيًا راقيًا يشمل النّصح الأخلاقي، والإصلاح الاجتماعي، والتوجه السياسي السليم، ويعمل على تقويم الحكّام والرعيّة.

أما الأدب الغربي فتقف رواية «مزرعة الحيوانات» للكاتب جورج أورويل في الصّدارة، إذ تمكّن الكاتب من صهْر العديد من أفكاره الثورية في روايته القصيرة على لسان الحيوانات في مزرعة «مانور»، لقد عانى جورج كثيرًا من الشيوعية السوفيتية، واعتبرها مضلّلة، تغرر بالأفراد وتستغلهم. ولهذا كتب أفكاره من خلال استنطاق الحيوانات، وإسقاط أفكاره على الواقع الذي يريد أن يعبّر عنه، ويمضي فيه سيف النّقد والاعتراض.

تنتسب «مزرعة الحيوان» إلى الأدب السياسي، وفيها يرصد تطورات الثورات – وإن كان يقصد تحديدًا الثورة الروسية – منذ اندلاع الحلم وحتى تحولها إلى كابوس رهيب. والبداية مع الخنزير العجوز ميجور صاحب الجائزة، والذي رأى في منامه حلمًا بالاستقلال، فأخبر به حيوانات المزرعة ومات، ولكن بعد موته تتحرر الحيوانات من استعباد مستر جونز السكير، وتطيح به وبرجاله لتصبح المزرعة ملكًا للحيوانات، ويقوم الخنزيران سنوبول ونابليون بإدارة المزرعة، ولكن مع تطور الأحداث تتحول الخنازير إلى صورة أخرى من البشر، من الاستبداد والظلم. وتضيع مبادئ الثورة، وتندثر شعاراتها وما كان يأمل إليه كل حيوان وسط ثغاء الخراف، ليجدوا أنفسهم كما كانوا قديمًا مجرد عبيد.

وقد استنطقت الكونتيسة دي سيجور الحمار كديشون في كتابها اللطيف «مذكرات حمار»، لقد رأينا في سطور كتابها عملًا فلسفيًا، من خلال حمار مثابر، عاقل، فطن، يضحك على الجميع بمكرٍ ودهاء، وتلقىٰ على لسانه عشرات المقولات الفلسفية، والحكم الأخلاقية، حتى أصبح كديشون فيلسوف الحمير، ومفخرتهم.

وعندما كتب أحمد شوقي قصيدته الشهيرة: «برز الثعلب يومًا في ثياب الواعظينا»، والتي درسناها ونحن أطفال لم نتجاوز العاشرة من عمرنا، كان يحكي عن الحيوانات وعن الثعلب المرتدي ثياب الواعظين، ولم نكن نعلم أن تلك القصيدة مليئة بالرمزية والإسقاطات الفكرية والسياسية. وأنّ شوقي استنطق الثعلب ليقول على لسانه كل ما كان يدور في خلده، لتصل تلك الأفكار إلى الصغار قبل الكبار.

ومن طريف ما يذكر في هذا السّياق أني كتبت في مطلع العام 2012 قصة قصيرة بعنوان: «عندما يحكم الغربان»، وقد ضمّنتها كتابي: «اغتيال الربيع»، وكنت حينها أشتعل ثورةً وحماسًا؛ إبان ثورة الحادي عشر من فبراير (شباط)، والعجيب أني لحظتها لم أكن قد وقفت على رواية أورويل، ولا أدري لماذا جعلت البطولة تدور حول الغربان الذين أحكموا سيطرتهم على الغابة؛ واستبدوا بالأمر، وملأو الحياة ظلمًا وطغيانًا؟

كانت تجمع إلى رمزيتها مباشرة أفكارها التي يشعر القارئ أنّ الكاتب يريد أن يقول شيئًا؛ فضمّن حديثه حواراتٍ مشتركة بين الغربان وباقي الرعية، كل ذلك من أجل أن تصل الفكرة كما لو كان يتحدث بشكلٍ مباشر، وهي من تجارب البدايات، ولا تخلو البدايات من هنات وهنات.

أخيرًا كلما قرأت عملًا استنطاقيًّا للحيوان يقفز هذا السؤال إلى ذهني: هل كتب علينا ألا نستطيع البوح بما نشعر به إلا على لسان الآخر، البهائم، الجمادات، الإنسان المهدور في أروقة روايةٍ أو في زاوية قصةٍ قصيرة؟

إنها ثقل الكلمة، وانعدام الحرية، وقوة القلم، ومصارعة البقاء والفناء، وحفر الجدار؛ ولو بأداةٍ مبهمة، وقبل كلّ ذلك صون النّفس من الاستيقاظ في غرفةٍ باردةٍ عاريةٍ مظلمةٍ تقبع في سجن ناءٍ في مدينةٍ بعيدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد