في (الزمانات الماضيات) كان الناس يعوضون ما افتقدوا من حرية في التعبير بكلمات مختصرة فيرمزون رمزًا للديكتاتور بـ(عباس) أو (جكسا)، وكانت في حدود الكلمات فقط إلى أن انهارت الطبقة الوسطى وتهدم بنيانها ونسيجها، واضمحل دورها، وغاب تعاطيها أو (تحاتت)، وهي التي كانت صمام أمان للمجتمع، وأقوى روافده، فهي طبقة العمال والموظفين والمهنيين ورجال الدين والدولة.

وكانت دائمًا هي المحرك الرئيس للنقابات، وهي الطبقة التي تتعاطى السياسة بكأس الفكر، وكان يخرج منها الأطباء المميزين والساسة العظام والعمال المهرة والأكاديميين والشعراء والصحافيين فضلًا عن أنها على إطلاقها كانت طبقة المثقفين والمهمومين بشؤون الوطن والمواطنة والحريات والثقافة والهوية لذلك لم تحدث تغييرًا كبيرًا في نهج الناس وتعاطيهم مع مفرادت اللغة ومتطابقاتها، فكان تعبيرها في هذا الدرب محدودًا، ولا يتجاوز (كليمات) يقمن وطنه في ظل أجواء كانت مكبوتة يحكمها العسكر نهارًا ويكتم أنفاسها الأمن ليلًا.

وبعد تلاشيها المشهود سقطت الكثير من القيم والثوابت وفضائل الموروثات فغرق الجميع، حتى النبلاء وسكان (القصر العالي) وتعاطوا بنهمٍ وشغف لغة (قعر) المدينة، بل أصبحت ثقافة ممتدة ومتمددة ولا تثير الاستغراب فكلمة (ماسورة) و(أربعة) و(طلس) و(السان) و(الجُلك) وغيرها من مفردات قاع المدينة تستخدم يوميًا من أعلى هرم المجتمع إلى قاعدته والتنادي بها (على عينك يا شفت)، ولأن الناس (القوف) أثرهم محدود، بل معدوم، طغى أثر القاع وتمكن أسلوبه المستوحى من ليل المدينة الظالم المظلم المتنفس عبر فوط (السياسيين) والبنزين.

وحتى إسقاطات النكات الهابطة الخادشة للحياء وجدت طريقها إلى البيوت وأصبح عاديًا في المنابر والمتاجر والبنابر ، فحل (البركاوي) بكل صلابته وجفافه محل الحكمه السياسية، وأصبحت (ماسورة القرد) مفردة متعالية وأنيقة، رغم أن كل من يستخدمها يعرف بالضبط مدلولها وقصتها، لكنها رغم أنف (الثقافة والتعليم) ووزارتيهما وجدت مكانها بين الطبيبات وتوسطت مصطلحاتهن الطبيعية ونفذت إلى غيرهن من مستخدمات لفظ (الزيت) و(زط) مع الإيحاء الجسدي المكمل (للرندكا)، والذي يدل على الفهم العميق لتلك المترادفات القاعية الفاعلة والسيارة.

وانساق أولياء الأمور خلف لغة (الرندوك) من لدن (عباس) حتى أصغرهم وسبحوا في بحر (القاع) وتلككوا في وحل مفرداته وخبروا دروب مناداته التي أصبحت (لهجة) رئاسية، (فالرندوك) اليوم يمشي بين اللهجات العامية كتفًا بكتف لا يجهله إلا (الفارات) ويمكن أن (يُغْنج) عليك به فتصبح (أطرشًا في زفة)، لغة لم يتبق لها إلا منصة رقمية في محرك البحث (جوجل) لترجمتها، فهي الآن فعليًا في كل المرافق والبيوت، ولا أظنك بحاجةٍ إلى دليل صديق (المطارق)، فقطعًا قد هضمت كل المفردات عاليه، بل ولم تتوقف عندها؛ لأنك اكتسبت العادة السماعية وأصبحت من (المعتادات المهضومات).

ولأنها لغة قوية تستخدم في ليل الخرطوم غير الآمن، فمن الضروري تعلمها؛ فمن عرف لغة قوم أمن شرهم، وما أقسى شرهم، وقد عاشوا فيه وناموا في لياليه، افترشوا وجع جوعه، وشربوا سراب مجتمعه الذي انشغل بنفسه و(فارغاته) كما تقول تلك القصة الواقعية عندما جاء أحدهم للخرطوم في أول زيارة له (لكرش الفيل) ووضع النشال يده في جيبه وأخذ كل ماعنده، وعندما رجع إلى أهله غضبان أسفًا سألوه كيف وجدت ناس الخرطوم فقال لهم مبتسمًا: (بطيبة).

وفي خضم هذا الانشغال و(الانتشال) المجتمعي المريع تبدل الكلام وعمّ الظلام وغابت المؤثرات المجتمعية في زحام العراك السياسي والحزبي وانزوت الفنون وجيرت الصحافة، وخبأ ضوء التلفاز، وسكنت خشبات المسارح الخفافيش، وهربت الثقافات لباطن الأرض ظنًا منها أن بطنها خيرًا من ظهرها، وظاهرت المعارف العقول، وأظلم ليل الخرطوم، ووحل الجميع في قاع ثقافة المدينة التي انتقلت للناس رويدًا رويدًا عبر (دروبات الأسافير) وجرعات المعاشرة، وضغط الاقتصاد وظلامية الحكم، وفقر سياسته التي ترمي للتجهيل والتغبيش لطول البقاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد