جميلٌ هو التفكر ولذا أمرنا الله به، يفتح لنا آفاقـًا جديدة للفهم والمعرفة وأحيانا للاندهاش والحيرة.

وكشباب أُغلقت في وجوهنا أبواب الإبداع والتغيير ففتحنا لأنفسنا أبواب التفكير والخيال في شتى الموضوعات عسى أن نرى في أحلامنا ما لم نلقه في واقعنا، لذا لا أخفيك سرًا إنني مثل كثير ممن هم في مرحلة الشباب أتفكر في الزواج كثيرًا، ودائمًا ما تراودني أسئلة مثل: لماذا نتزوج ومتى نتزوج وكيف سنتزوج و …، لكن الخطير حقًا حينما ضبطت نفسى أكثر من مرة متلبسًا في التفكير فيما بعد الزواج، نعم! ماذا يفعل المتزوجون بعد زواجهم؟ وما الذي يحدث بينهم بعد أن يتزوجوا؟!

أعلمُ أنك قد اسأت فهمى على الأغلب و أرى الآن نظرة الاندهاش في عينك، ولكني لم أقصد ما ذهب إليه تفكيرك، بل أقصد هذا الزوج الذى قد أحضرت زوجته في جهازها ثلاث غسالات (أوتوماتيك، نصف أوتوماتيك، غسالة عادية أو غسالة أطفال).

عدة ليالى من التفكير العميق، كيف هي الحياة بينهم بعد الزواج؟ وكيف يستخدمون هذه الغسالات الثلاث؟ وهل حققت لهم السعادة المنشودة من الزواج؟! ولكن خاب سعيي في أن أصل إلى جواب، لذا نقلت السؤال إليك.

 

تامر وفوزية:

أعراف مجتمعية عجيبة ومنتشرة في مجتمعنا فيما يتعلق بالزواج واشتراطاته وتجهيزاته قد تكون تعلمها أو تعلم جزءًا منها، لذا دعني أحكى لك هذه القصة الواقعية والتي تتكرر بشكل شبه يومي في ريف مصر وضواحيها وفي عديد من حواضرها مع اختلاف بسيط في المسميات وبعض الهوامش والتفصيلات:

** (تامر) شاب مصري في سن الزواج وقد عزم على إكمال نصف دينه (ولا تسأل عن النصف الأول) وقد تقدم لخطبة ربة العفاف والصون الآنسة (فوزية) بعد أن أنهت تعليمها المتوسط أو الجامعي، بعد قراءة الفاتحة للتيسير والبركة، وأيضًا بعد المجاملات اللفظية من نوعية (إحنا بنشتري راجل) و (إحنا عايزينها بشنطة هدومها) يبدأ مهندسو الصفقات من كلا الجانبين بوضع النقاط على الحروف في عملية تفاوضية معقدة للغاية قد تُكلل بالنجاح أو بالفشل من أجل تحديد مسئوليات كل فريق في تجهيز عش الزوجية (من الصاروخ إلى الإبرة) وسأخبرك بعضًا من التفاصيل والأرقام.

 

العاهات والتقاليع:

ما أكثر العادات والتقاليد وإن شئت فقل العجائب والغرائب المنتشرة من مكان إلى آخر مع اختلاف بسيط في التفاصيل، وإليك جزء من أغرب هذه التجهيزات:

في بعض مراكز دمياط تحضر( فوزية) 200 فوطة و30 طقم مفارش والعديد من البطانيات والمفروشات التي لاحاجة لها على الإطلاق!
في محافظات الدلتا (فوزية)عليها إحضار ثلاث غسالات مختلفة الأنواع لعش الزوجية، وما زلت لا أعلم السبب! فلا تسألني.
في محافظة مثل كفر الشيخ تشتري (فوزية) لوالدة العريس (حماتها) غسالة أو ثلاجة أو بوتوجاز أو جميع ما سبق!

وصدقني تحيرت كثيرًا جدًا لما علمت بأنها تحضر أيضًا في تجهيزها  طفاية حريق ومولد كهرباء وتلفزيونين اثنين وعدد 2 فرن (غاز وميكروويف) وعدد 12 أبريق شاي! وماكينة (البيتى فور) والتي أؤكد بأنها لا تعلم كيف تصنعه رغم أنها تشاهد الشيف شربيني يصنعه كل عيد.

كل ما سبق بالإضافة إلى ما لا يقل عن خمسة عشر طقمًا من الأواني والأطباق، منها على سبيل المثال لا الحصر طقم: ( بيركس، أركوبكس، صينى، ميلامين، سيراميك، خشاف، استانلس، تيفال، …، ومثلها عدد لا نهائي من المعالق والشوك والسكاكين والبلاستيكات والأكواب والكاسات و …، وكل ذلك يستند إلى قانون (فوزية بنتنا مش أقل من فاتن بنت خالتها).

أما تامر فهو أيضًا مُطالب بالشقة والمهر والشبكة والأنتريه والصالون والنيش وغرف النوم وغرفة الأطفال (الذين ما زالوا في علم الغيب) وكيلو ذهب في سوهاج وحزام من الذهب في الوادي الجديد و…و…، ورصيد بنكي من أجل تجهيز حفل زفاف ضخم (عشان الناس ماتاكلش وشنا).

 

نظرة على الحل:

عزيزي تامر، عزيزتى فوزية: بعد التهاني على الارتباط والدعوات بحياة سعيدة تذكرا قول الله تعالى (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ) أي من مقدرتكم ومستوى معيشتكم، وتذكرا قول رسول الله (أيسرهن مهورًا أكثرهن بركة)، وأن الزهراء فاطمة بنت محمد قد زفت إلى حبيبها علي بن أبى طالب وجهازها فقط (فراش ووسادة) وكثير كثير من الحب وهو الأساس.

قد لا أكون أعلم الحكمة من كل هذه التجهيزات المبالغ فيها بكثرة، وأعتقد أنكم أيضًا لا تعلمون مثلي، لكني أعلم جيدًا الحكمة من الزواج حيث المودة والسكن كما قال الله (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وحيث الرفيق الذي يسعد قلوبنا ويعيننا على تحمل مصاعب الحياة ومشقاتها.

لذا لا ترهقا أنفسكما وأسركما بما لا تطيقون وأنتما ما زلتما في مقتبل حياتكما من أجل إرضاء الناس، فهم أبدًا لا يرضون عن أحد.
أحضرا ما سينفعكما فقط، فمعظم ما يتم إحضاره في التجهيزات يتم تخزينه بلا أي استخدام، فما النفع من ألف ملعقة لن تستعملا منهم سوى اثنين فقط.
اشتريا بعضكما قبل أن تشتريا كل هذا، وأشعرا نفسيكما أن السعادة في اجتماعكما معًا وما دون ذلك شكليات.

من أسرار النجاح الخفة وكثرة هذه التجهيزات تجعل الحياة معقدة قبل وبعد الزواج، ولأن تُبحرا بسفينة حياتكما خفيفة محملة بالرضا والستر خيرٌ من أن تثقلاها بالديون والهموم فتغرقكما أنتما.

“المرأة التي تجلس سنة تتحدث وتساوم بشأن جهازها ومهرها وهداياها وفخامة حفل زفافها لهي جارية بمعنى الكلمة”                  د. علي شريعتي

إلى زوجتي المستقبلية:

المبجلة آنسة ( فوزية ) زوجتي المستقبلية: وإن كنت إلى الآن لا أعلم تحديدًا من أنت إلا أنه وجب أن نتفق.

رفيقتي:  أؤمن بأن بناء بيت سعيد لهو غاية تستحق التعب من أجلها، وأن أنجح البيوت هي البيوت القائمة على طاعة الله وعلى الحب والتفاهم، لذا يجب ألا نرهق أنفسنا وأن نحضر فقط ما سنحتاج إليه وما يكفي لتسيير معيشتنا ونحضر معه كثيرًا من الحب والمودة، وأعدكِ بألا أدخر جهدًا في أن أوفر لك حياة كريمة تليق بأميرة مثلك.

عزيزتي دعيني أخبرك سرين؛ أولهما: أننى قد حملت بيدي كثيرًا وكثيرًا من هذه التجهيزات ذهابًا لوضعها في عش الزوجبة، وإيابًا لوضعها في قسم الشرطة لتسليمها بعد الانفصال، وحينها أدركت بأن كثرة التجهيزات أو ندرتها لا تصنع وحدها حياةً سعيدة.

ثانيهما: أنني قد اشتقت كثيرًا لتلاقينا، وأنني قد أحببتك سواءً أكنت رأيتك سابقـًا أم لم أرك، لذا أتمنى أن يكون بيننا تلاق عما قريب، وعسى حينها أن نصنع لنا حياة سعيدة نبدأها في الدنيا ونكملها في الجنة، والسلام ختام.

“احبوا أزواجكم حتى قبل أن تعرفوهم حتى إذا تلاقيتم وقلتم لهم أحببناكم قبل أن نراكم لم تكذبوا عليهم”

لمزيد من التفاصيل عن عجائب تجهيزات واشتراطات الزواج راجع منشور د/ سحر النادي، وتعليقات الجمهور.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد