“إذا أردت أن تتحكم في الجاهلين، فغلف كل باطل بغلاف ديني”.
-ابن خلدون

“هما اللي بيخلقوا الدجال ويصنعوه بإرادتهم، زي ما صنعوا من الحجر تمثال وعبدوه”.
-أحمد زكي / فيلم البيضة والججر

باتَ الواقعُ كئيبًا للغاية والأيام مُتشابهة بالغة الرتابة، حتى الأهل والجيران والأصدقاء أمسوا وجوهًا مستهلكة حد الملل، لطالما كُنتُ تواقًا لخوض تجربة جديدة وفريدة من نوعها، تجربة تسترجعُ شغفي الضائع للحياة، وتستعيد للدنيا بريقها الخافت في ناظري.

 

جَربت سَكب دَلو الماءِ بالثلج فوق هَامتي، بيد أنه كان مَحض هُراء؛ فسرعان ما تبخرت نشوتي بعدما تبخر وجف. فكرت في الصعود للمريخ أو القمر، أو حتى تسلق قمة إيفرست والتزلج على الجليد، ولكن كل هذا لا يوائم إمكانياتي المتواضعة، فما كان لي عدا الرضوخ والخنوع لرتابة الحياة وسطوتها إلى حين ميسرة.

صبايا الخير

 

بعد أن انتشر كالنار في الهشيم أنباء عفاريت “ريهام سعيد” ونائب العفاريت “علاء حسنين”، وتباينت الآراء وردود الأفعال ما بين مصدق ومكذب، ومتهكم يسخر ومتخوف يرتعد، وللحقيقة كان الأمر لي مثار سخرية واستهزاء وضحك إلى درجة تضاهي ما يحدث لي عند مشاهدة حلقات “just for laughs gags” في المساء .

فشكرًا عميقًا لهم على ما زرعوه في صدري التعيس من ضحكات وبهجة، وأود أيضًا أن أدعوكم لمشاهدة هذا الفيديو فهو يغص بألاعيب “العفاريت الأجنبية” التي قد تضفي صفاءً ومَرحًا إلى مزاجكم المتعكر.

Best Magic Tricks Pranks

بعدما زعم “علاء حسنين” بأن أقوى أسباب استجلاب العفاريت واستحضارها هو سكب “الزيت المغلي” في مرحاض الحمام، وما يضفي للأمر أثرًا قويًا ومفعولًا سحريًا هو عدم ترديد “دعاء دخول الخلاء”، وقت ذاك تهللتَ أساريري؛ فقد لاَحَت لي التجربة التي لطالما تمنيتها وانتظرتها بشغف، ولم يتح لي حظي العاثر إجراءها في أحد معامل الكلية حينما كنت طالبًا، ولكن لا بأس فالتجربة لا تحتاج سوى إمكانيات يسيرة في متناول كل بيت.

قمت على الفور بغلي المقدار المناسب من “الزيت”، ورغبة مني في أن أستحضر أكبر عدد ممكن من العفاريت قمت بإضافة قليل من “conc sulfuric acid”، وهو لمن لا يعرفه لا يبقي ولا يذر ويمحو كل ما يجابهه دون رأفة أو هوادة.

لن أتحذلق وأدعي أني كنت مطمئنًا ورابط الجأش وقت ذاك، بل كنت مضطربًا ليس توجسًا من عبث العفاريت، وإنما من التجربة الجديدة التي سأعانقها في ظل أحضان عفريت ضال “سيتلبسني” بعد قليل، وكنت قلقًا بشدة أن يكون ذلك العفريت من هذا النوع “السيس” الذي يهيم بالأغاني الشعبية التي أمقتها حد التقيؤ والغثيان، ففي أغواري كنت أصبو لعفريت “هادئ ومثقف” يحب قراءة الشعر والاستماع لقصائد درويش وعزف الثلاثي جبران حتى يضفي لي بعض التصالح معه.

ارتديت سريعًا ترنج أسود فاحمًا حتى يناسب ما أنا مقدم عليه من مخاطرة، وكذلك “أيس كاب” لبرودة الطقس العارمة، أخفيت عنهم جميعًا في البيت تلك التجربة كيلا يضطربوا، ودلفت للحمام ممتطيًا صهوة شجاعتي وبحوذتي “بيكر” ممتلئ حتى فوهته بتلك التركيبة العجيبة من “الزيت المغلي” و”حمض الكبريتيك المركز”، وسرعان ما سكبت تلك التركيبة دون رفق في أغوار المرحاض حتى أستعدي وأستثير العفاريت الكامنة.

الوقت يمضي كسلحفاة صحراوية، وأنا أنتظر ذلك العفريت الذي يذكرني “بجودو” المُنتظر. قد مضى من الزمن ما يربو على الساعة، وأنا لازلت في انتظاره عاريًا منتشيًا في أحضان الماء الساخن في البانيو، ما حدث سالفًا كان مذ يومين، ولا زلت حتى الآن أنتظر بشغف ذلك العفريت الرافض الاستحضار باستماتة، لا تقلقوا حينما يتلبسني سأخبركم بقدومه في بوست آخر يحوي كل التفاصيل.

وبعيدًا عن تجربتي في استحضار العفاريت للعبث معها ودحض وتفنيد تلك الأكذوبة والادعاء بتجربة سهلة ويسيرة وشائعة، فأعلم أنه سيثار عدة أسئلة، السؤال الأول:

ألا تؤمن بوجود الجن الوارد ذكره في القرآن؟ ستكون إجابتي بأن إيماني بوجود الجن يماثل إيماني بوجود الملائكة، فكلها غيبيات بحتة لا عبثيات طفولية،

والسؤال الثاني:

ألا تؤمن بتلبس الجن للإنسان؟ فأقول إن كان لأحد تلك القدرة الخارقة على استحضار إحدى الغيبيات سواء جن أو ملاك إلى الدنيا فهو إما شيء من ثلاثة “دجال مهرطق” أو “نبي ورسول” أو “رجل ذو اطلاع واسع على أساطير الإغريق”، وإن استطاع أحدهم أن يخاوي “جنًّا”، فلماذا لا يهيمن على العالم ويسخره لما يريد؟!

سيتشدق أحد هؤلاء المؤمنين بشدة بقدرة الجن على تلبس الإنسان بسؤال ثالث فحواه “ما دليلك على أن كل ذلك محض هراء؟”، وفي الحقيقة أنا لا أستأثر بدليل ولست في حاجة إلى التنقيب عن دليل علمي أو ديني كيما أدحض ذلك الهراء المستشري، وإن كانت الأدلة غزيرة متاحة، بل ما سأقوم به هو نفي تلك الترهات وبترها فحسب، وعلى المدعي إثبات عكس ما أعتقد بتجربة ملموسة عملية يقر بها “العلم”، وأما كل ما يثار من حكايات وقصص وخزعبلات ، فلقد ساهمت في تأليف إحداها لأصحابي وأنا دون السادسة من عمري وصدقوها يقينًا وربما لا زالوا يصدقونها حتى اليوم.

أنا لست بعالم دين أو مفسر للقرآن، ولكني مسلم ولدي عقل، ومن حقي أن أستخدم تلك التلافيف الرابضة بعقلي كيلا تتلف وتنمحي، فحدوث مثل هذا “التلبس” ينافي قدرة الإنسان على اختيار ما يشاء، فكيف إذن سيحاسبني الله على ما لم أفعل؟! وأين حرية الفعل التي بمقتضاها سيكون ثمة حساب ثم ثواب وعقاب؟! وإن كان كما أخبرني أحدهم أنه بمجرد تلبس الجن للإنسان سيرفع الحساب عن تصرفاته! فهذا يعني بلا ريب أن تلبس الجن للإنسان “منحة” وهبة من الله وليست “محنة” وابتلاء له، فمن منا لا يود أن يرفع الحساب عن أفعاله وتصرفاته؟

وإن كان الجن كما يقولون لا يصيب إلا هؤلاء الهاجرين للقرآن والعازفين عن طاعة الله ورسوله، فلماذا لم نره يومًا يتلبس الملحدين والكفار؟! وإن كان يصيب المتعبدين المؤمنين، فلماذا لم يتلبس الصحابة الكرام والتابعين، وهل ثمة من هو أكثر إيمانًا منهم؟! والسؤال الثائر في ذهني لماذا لا يستعمر هذا الجن سوى في أجساد نساء العرب لا سيما المسلمين طبعا! ولماذا لم يشتهِ بنات الغرب و”الفرنجة” يوما ما؟! ألا يملك بعض عقل يجعله يختارالأجمل والأينع والأبهى؟

 

وأما ما ذكره ذلك الدعي الدجال “علاء حسنين”، بأن السبب وراء إضرام تلك الحرائق – التي يتحدث عنها – هو قتل “قطة” أو “كلب” كان يتلبسها جن وموته عند قتلها، ومن ثم حضور “أهل الجن وذويه” لينتقموا من القرية بإشعالها، وأنا في الحقيقة متعجب حد “الازبهلال”، لماذا لا يقوم الجن بقتل أهل تلك القرية على بكرة أبيها و”يريح دماغه”؟! بدلًا من تلك الأعمال العبثية الطفولية بأن يضرموا النار كلما أطفأها أهل القرية 🙂 .

لا تزال كلمات أحمد زكي بفيلم البيض والحجر تصدح في أذني “الضعف مبيفرقش بين جاهل ومتعلم”.

فحقًا إن ما نحن بصدده ليس إلا ضعفًا متأصلًا راسخًا ، ضعف في الإيمان بالله والدين الذي نعتنقه، يتبعه تعلق بكل ما هو خرافة ووهم ، فأين الإيمان بقدرة الله مع الاعتقاد بأن ما يحدث من مصائب أو كوارث هو نتاج عين أو حسد أو جن؟

وإن كانت لدينا تلك القدرة الخارقة للعين والحسد والجن فلماذا لا نسخرها من أجل استرجاع فلسطين؟! ولماذا نتوانى عن حسد إسرائيل وأمريكا على ما عندهم وليس عندنا؟! فمن المؤكد أنه سيزول “فالعين فلقة الحجر”.

 

إننا بحاجة إلى تجديد الإيمان الراكد، فالإيمان بات عتيقًا نتوارثه عن أجدادانا، دون إعمال لعقل أو فكر، مرددين آناء الليل وأطراف النهار “لا عقل مع نقل”.

والفضل كله يعود لهؤلاء الشيوخ “البيروقراطيين” الذين بثوا في نفوس البسطاء والعامة بأن الخرافة جزء لا يتجزأ من جوهر الدين، وأن ثمة ما يسمى “العلاج بالقرآن” أو “اللبس” و”السحر” و”إخراج الجن” ومن لا يؤمن بذلك كافر خارج من الملة، في الوقت الذي يتجه فيه الجميع نحو غزو الفضاء، لنغدو أضحوكة متداولة فى موائد العالم بأسره، وبعد ذلك نذرف الدمع السخين ونبكي بحرقة وأنين ونقول إن الاسلام مضطهد من الآخرين!

في النهاية أدعوكم لمشاهدة ممتعة في رحاب هذا الفيلم الذي أود أن يسحق و يبدد ما تبقى في نفوسكم من رواسب الاعتقاد بتلك الخرافات والترهات، والتصديق بأنها محض افتراء وكذب وأنه “ما عفريت إلا بني آدم”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد