هنا أجمل بلد في العالم، وهنا دولة الحق والقانون، هنا نجد أشياء غير جميلة وأمورًا غير قانونية، بل غير إنسانية ألبتة. هنا بلد التناقضات، حيث الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرًا، ولا من يسأل عنه أو يرق لحاله.

هنا البلد الأجمل في العالم في نظر البعض؛ لأنه بمثابة ضيعات كبيرة لهم، بينما لا يراه الآخرون إلا جحيمًا يستعر تحت أقدامهم، وهم الذين عملوا وكدحوا حتى سئموا وملوا ولم يجنوا من جمال بلدهم غير التعب والعناء، وهنا حيث يعفى الكبار من كثير من الواجبات، ويستفيدون من الحصانة القانونية التي تساهم بشكل كبير في تفشي ظواهر الفساد والمحسوبية والزبونية التي تنخر جسد الوطن وترجع به إلى الوراء سنين عددًا.

هنا أجمل بلد في العالم حيث الغنى والترف الفاحش، وحيث الفاقة والفقر المذقع. هنا أجمل بلد في العالم حيث تقام المهرجانات بملايير السنتيمات ولا تمنح إلا للأجانب بينما يأخذ المواطنون الفتات. هنا أجمل بلد في العالم حيث يرقص الإنسان على طرب آلامه، يرقص وهو مسلوب الحقوق، ويطبل لكل دخيل بينما ينسى نفسه في خضم هذه الحياة الصعبة.

هنا وما أدراك ما هنا؟ هنا دولة الحق والقانون، وما أدراك ما الحق والقانون؟ هنا إذا طالبت بالحق يطبق عليك القانون. هنا يأخذ الأغنياء حقوقهم وحقوق غيرهم، بينما يطبق القانون على الفقراء وأبنائهم. هنا إذا طالبت بالحق، فانتظر سوط القانون، ولن تسمع صوته أبدًا.

هنا حيث طُحن المعطل محسن قبل عامين مع سمكه. هنا حيث طُحن التلميذ إبراهيم قبل أيام بعدما خطف من أمام محله. هنا حيث المطالب بالحق يعد مجرمًا تجب معاقبته، بل تعذيبه.

هنا وما أدراك ما هنا؟ هنا حيث إن وعى الشعب بمصالحه وصف بالدوخة والغباء. هنا حيث إن وعى الشعب بحقوقه اتهم بالخيانة والانفصال، ولا انفصال إلا الانفصام الذي يعشش في نفوس المتحكمين في السياسة والسلطة والمال.

هنا حيث الشركات المحتكرة لكل شيء تدعي الوطنية وخدمة الصالح العام، بينما يتهم الشعب بالخيانة والغباء. هنا حيث أدَّب الشعب المحتكرين وعلمهم درسًا في المواطنة لن ينسوه أبدًا. هنا حيث رأينا بأم أعيننا كيف أن رأس المال جبان، وكيف أن أغلب الأغنياء عبيد للمال يخدمونه، وليس هو خادمهم كما ينبغي.

هنا وما أدراك ما هنا؟ إنها دولة الحق والقانون.. هنا حيث لا تعترف الدولة بقوانينها. هنا حيث تخرق الدولة قوانينها وتفرض عليك خرقها سلبيًا وبإذعان. هنا حيث يوظف الأساتذة بعقود أقل ما يقال عنها أنها ميثاق جديد لتنظيم عبودية عصرية أشد مما كانت عليه العبودية الأولى.

هنا حيث لا يمكن للأستاذ أن يعبر عن رأيه ولا أن يطلب حقه، ولا أن يحتج إذا ظُلِم كما هو معروف في كل المواثيق الدولية. هنا حيث يوقع الأستاذ عقدًا بموجبه يمكن فصله في أي وقت، وبأي سبب، أو حتى بدونه، ومن غير إشعار، ولا إخطار، وحيث تبقى السلطة التقديرية في هذا الفصل للمدراء والرؤساء، حتى ولو كان بناء على وشاية كيدية، ومن غير أي إجراء احترازي يمكن من خلاله ضمان حقوق كل الأطراف وإنصافهم.

هنا حيث الأستاذ مفعولًا به وليس فاعلًا كما هو معتاد. هنا حيث ذهب عز المعلمين إلى غير رجعة، إلا بحبل من الله وحبل من الناس. هنا حيث العقد عقدة نفسية يحملها كل أستاذ بمثابة الإهانة الجاثمة على قلبه ونفسه المهزوزين.

هنا حيث يطلب منك كل واجب، ولا يمنح لك أي حق. وهنا أيضًا حيث ملحمة سادس ماي أمام البرلمان. هنا وما أدراك ما هنا؟ هنا حيث لا تؤخذ الدنيا إلا غلابًا، ولا يؤخذ الحق إلا طلابًا، ولا حق إلا لقوي أو محتج، ولا قانون إلا قانون الشارع والصياح. هنا حيث لا يطبق القانون مرة إلا بعد خرقه مرات ومرات، ولا يؤخذ الحق إلا بالآلام والمعاناة والآهات.

هنا أيضا حيث يعطى المريض موعدا قد يتجاوز السنة أو شهورًا في أحسن الأحوال، ولا يصل موعده إلا بعد أن يكون ملك الموت قد حجز له مكانًا عنده. وهنا أيضًا حيث تقف النقابات مع شركات الاحتكار ضدًا على الشعب، وضدًا على مهامها وأخلاقياتها من غير أن يرف لها جفن.

هنا وما أدراك ما هنا؟ هنا بكل اختصار بلد التناقضات.. هنا المغرب فأهلًا وسهلًا. هنا المغرب فلا تستغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد