«لقد فقدتُ أبي وأنا في مطلع الشباب، واضطررتُ إلى أنْ أكتسبَ قبل سنِّ الاكتساب، وتعلّمتُ ودرستُ على ضيقِ الحال وقلة الأسبابِ، وأكرمني الله فعلّمني وكفاني، فما أحوجني أن أمدَّ يدي يومًا إلى أحد ممن خلق الله».

هذه العبارة المركزية من كلام الأديب النَّابه والعالم الموفَّق علي الطنطاوي، تُلخّص للقارئ الكثير من حياة الشيخ – رحمه الله – وتبرز ما فيها من اجتهاد وعِصاميّة، ونبلٍ وكفاح، واستعانة بالله سبحانه، مع صبر جميل وقوة في الحق، وحسن ديانة.

لماذا علي الطنطاوي؟

إنَّهُ النموذج الأرقى للمثقف المسلم الجاد المتحرر من سلطة الدولة أو المجتمع، أو النفوذ أو المال، أو رغباتِ النفس الجامحة، أو غلواء الشهرة والمجد الشخصي الزائف، في وقت غاب النموذج الحَسَن للمثقف الصدّاع بما يعتقد، الراغب في ثمرات ما يحمله من علم ومعرفة عزةً ونفعًا للخلق ورضًا من الله.

إنَّ الجوانب النَّيِّرة المشرقة في حياة الأديب علي الطنطاوي جَمَّةٌ وفيرة، تزيد كثرةً للمتأمل في حياته وسيرته وكتبه ومقالاته وكلماته ونبراته صادقة اللهجة التي تجد موقعها في قلب كل مؤمن، لكنَّ المقام مقام إجمال واختيار، فلعل أبرز ما أخذ بمجامع قلبي في سيرة هذا الأديب الفذ من خصال ما يلي:

أولاها: صدق اللهجة وجمال العرض وطرح التكلّف في لقاءاته التلفازية القليلة المصورة التي كانت تُعرض في شهر رمضان، وقد حدثني الكثير ممن شاهد هذه التسجيلات القليلة بتأثرهم البالغ بها، حتى قال لي أحدهم: لكأنّ أبي أو جدّي يحدثني! وقال لي آخر: هذا الرجل يستدرُّ مدامعي كلما سمعته ورأيته!

ولعل هذا من بركات الإخلاص، وحسن النية، وجمال الطويّة، فنحسب هذا الداعية الموفّق من أرباب الإخلاص وتوحيد القصد.

ثانيها: عِصاميتُهُ وكفاحه؛ فالشيخ – كما هو معلوم في سيرته – تُوفي والده وهو ابن ست عشرة سنة، فقام بأعباء أسرة فيها أم وخمسة من الإخوة والأخوات هو أكبرهم! وماتت أمه – على تعلّقه بها أشدّ تعلّق – وهو في الرابعة والعشرين! فقابل ذلك كله بإرادة صُلْبة، وعزم نادر، وهمّة تزعزع العقبات.

ثالثها: مشاركته هموم المسلمين؛ فلم يترك شاذّةً ولا فاذّةً من هموم أهل الإسلام إلا وتناولها في خُطبه الثائرة ومقالاته الحماسية، بأصدق عبارة، وأجلّ لفظ، حتى أحبته القلوب وعظّمته صغيرًا نجيبًا كما أحبته وعظمته أديبًا مُجيدًا وعالمًا نحريرًا.

وللشيخ صولات وجولات في بغداد سطرها في كتابه «بغداد ذكريات ومشاهدات»، ومشاركات في مؤتمرات لنصرة فلسطين، وتطواف في بلاد كثيرة كإندونيسيا والهند وماليزيا وباكستان.

رابعها: قُوّته في الحق وصلابته فيه؛ فهو القائل: «أما إنَّ من أشكال الأمانة وصورها أنَّ القلم المتين، واللسان البليغ، أمانةٌ في يد الكاتب والخطيب، فإذا لم يستعملهما في إنكار المنكر والأمر بالمعروف، والدعوة إلى الإصلاح، كان ممن خان الأمانة وأضاعها، وفرّط فيها، فلينظر لنفسه كلّ كاتب وشاعر وصحفي وخطيب».

خامسها: جمال الأسلوب، وامتلاك ناصية البيان، فهو من أحسن الناسِ نثْرًا، وصدق – رحمه الله – إذ يقول «وكان لي فوق ذلك قلم، إنْ شئْتُه غُصْنًا من أغصان الجنة أورق وأزهر وأنعش القلوب، وإنْ شئْتُه حطَبةً من حَطَب جهنم أحرق ودمّر».

سادسها: حُبّهُ للعلم وعشقه للكتب، فإنَّ الطنطاوي من أعلام القرّاء النهمين الذين يتصدرون سيرة عشاق المعرفة وشُداة الثقافة والأدب، وغرامه بالكتب ومصاحبته لها أشهر من أن يُعرّف به؛ فقد سارت به الركبان ونبَّه عليه العدو الشانئ قبل الحبيب القريب! واسمع إليه إذ يقول: «فأنا رجل معتزل، كنت من أيام شبابي أمضي جل وقتي في داري عاكفًا على كتبي».

«لقد قرأت قبل مكتب عنبر وفي سنواتي الأولى فيه كتبًا لا أكون مبالغًا ولا مدعيًا مغرورًا إن قلت إنَّ في الأساتذة اليوم من لم يقرأها، ذلك أني كنت أمضي وقتي كله (إلا ساعات المدرسة) في الدار، لم أتخذ لي يومًا رفيقًا من لِداتي، ولا صديقًا من أقراني، ولم أكن (بحكم تربيتي ووضع أسرتي) أعرف الطريق إلى شيء من اللهو الذي كان يلهو به أمثالي، فلم يكن أمامي عمل أنفق فيه فضل وقتي وأشغل به نفسي إلا المطالعة».

«فأنا اليوم وأنا بالأمس، كما كنت في الصغر؛ أمضي يومي أكثره في الدار أقرأ، وربما مرّ عليَّ يوم أقرأ فيه ثلاثمئة صفحة، ومعدل قراءتي مئة صفحة، من سنة 1340 إلى هذه السنة 1402، اثنتان وستون سنة، احسبوا كم يومًا فيها، واضربوها بمئة، تعرفوا كم صفحة قرأت، أقرأ في كل موضوع، حتى في الموضوعات العلمية، بل والفنية والموسيقية. هذا غير النظر في الجرائد والمجلات».

وما هذه إلا إلماحات وومضات في حياة باذخةٍ بالعطاء والبذل، فدونك كتب الشيخ فاقرأها على مهل وتأمل ذكرياته وما كتبه حفدته عن الجَدِّ النبيل، تجد ما تقر به عينك إن شاء الله.

رحم الله الأديب علي الطنطاوي، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد