تقدير الموقف الشرعي للنوازل والمستجدات أصبح ضروريًا لبيان الحكم الشرعي المناسب للنازلة.

إحسان هذا التقدير الشرعي لا يتوقف على صحة النصوص وحدها وإنما يرتبط ذلك بفقه النص من حيث الوقوف على دلالته، والتعمق في مقاصد الشريعة العامة والخاصة، ودراسة الناسخ والمنسوخ بصورة تقف بالمقدر على حقيقة الأمر في ماهية الناسخ والمنسوخ وتحقيق المناط في صور النسخ المتعددة، والوقوف على مناهج الأصوليين في حقيقة النسخ هل هو بيان أو رفع للحكم.

كذا تقدير الحكم الشرعي يتوقف بصورة لزومية على دراسة فقه الترجيح بين النصوص إذا ما تعارضت في الظاهر، وقد وضع الأصوليون ما يقرب من مائة قاعدة للترجيح بين النصوص المتعارضة.

ليس الأمر في تقدير الحكم الشرعي متوقفًا على ذلك فحسب، وإنما يمتد إلى فقه الواقع الذي ينزل عليه النص، من الناحية السياسية والاقتصادية، وفقه المآلات التي تترتب على تنزيل النص على الواقع.

كل ما قلناه من فقه دلالة النص ومقاصده الكلية والجزئية وقواعد الترجيح متوقف على التعمق في دراسة علم أصول الفقه.

أما فقه الواقع فيتوقف على دراسة علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، وأما استشراف المآلات والوقوف عليها فيتوقف على علم الإدارة والاستراتيجيات.

كل ذلك يحتاجه التقدير الشرعي للنوازل التي تتعلق بالأمة من حيث ضعفها وقوتها ومكانتها ورتبتها وتقدمها وتأخرها.

في نظري من المستحيل أن يقوم بذلك شخص أو اثنان أو ثلاثة مهما كان فهمهم وفقههم للنص والواقع.

ما يتعلق بالأمة ونوازلها يقوم به علماء الأمة الأحرار، وهم كثر، ولا يقوم به الأفراد.

تعودنا على الرمزية الفقهية والسياسية والاقتصادية والإدارية، وتاريخ أمتنا قائم المذهبية الفقهية المتعلقة بالأشخاص كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وابن حزم الظاهري والعز بن عبد السلام وابن تيمية – رضي الله عنهم.

أما الفقه السياسي والاقتصادي الإسلامي فما أقله وأحصره بالنسبة لفقه العبادات والمعاملات.

الدول الكبرى الحديثة الآن لا تقوم على الرمزية الفردية أو العقلية الأحادية مهما علا شأنها وقوتها، نعم تستفيد من الرمزية في إطار المؤسسة الكلية التي يعطي فيها الجميع حصيلة علمهم، وزبدة خبراتهم، فتنتج رحيقًا مختومًا، وتقديرًا للموقف مخدومًا.

أجمل الصور لهذه الحالة كان في عصر الصحابة الكرام، فمن المعلوم أن النصوص بخصوصها لم تستغرق الحكم في جميع النوازل المستحدثة، فكل نازلة جديدة يستدعى لها علماء الصحابة فيفتون فيها بما هو مناسب لوقتها وعصرها، كمسألة جمع القرآن وقتل الجماعة بالواحد وزيادة الحد على شارب المسكر.

ما بعد الصحابة أصبحت الممارسة للعقل الجمعي قليلة بل قد تكون نادرة.

الآن الأمة تمر بأخطر مراحل عمرها، فما يتهددها في بقائها وعزتها وكرامتها واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.

تقدير الحكم الشرعي في هذه الحالة لا يمكن أبدًا أن يقوم على الآحاد من رموز العلماء، وإنما نحتاج على سبيل الضرورة القصوى إلى: «مؤسسة علمية بحثية أكاديمية جامعة لزبدة الرموز الأحرار لتقدير الحكم الشرعي المناسب في المستجدات والنوازل».

رسالة المؤسسة: تقدير الحكم الشرعي المناسب في ضوء النصوص الشرعية الصحيحة والمقاصد الكلية والجزئية وفقه الواقع الذي ينزل عليه الحكم.

أهدافها: أولًا: جمع رموز الأمة الأحرار في كيان مؤسسي واحد والاستفادة من علمهم وخبرتهم.
ثانيًا: تقدير الموقف الشرعي المناسب في النوازل المستحدثة.
ثالثًا. الرد على شبهات الطاعنين في الثوابت الشرعية المعلومة من الدين بالضرورة.
رابعًا: تدريب وتعليم الباحثين الجدد حتى يستكملوا نقصهم العلمي بدورات علمية دقيقة المحتوى.

المنتج العلمي المأمول:
أولًا: حصر النوازل المستحدثة ومنها على سبيل المثال:
فقه الثورة – مشروعية العصيان المدني وكيفية ترتيبه وحصوله – ولاية المتغلب الزمن والتاريخ والواقع الآني – الجهاد الثوري وفقه مقاومة البغاة والمرتدين – الخروج على الحكام الظلمة بين المشروعية والضوابط الحاكمة – مصطلح الإرهاب بين الحقيقة الشرعية واستعمال المجرمين له – نظرية المستبد العادل المشروعية والجذور التاريخية والتطبيق الأمثل لها – الدماء حرمتها وحلها بين المشروعية والتنفيذ – القصاص حق الأمة أو الفرد – حدود الحسبة للحكام – الولاء والبراء بين النظرية والتطبيق النموذج السعودي – البيعة الخاصة لدحر الانقلاب ومحاربة المرتدين – واجب الأمة تجاه الحاكم الأسير – التجنيد والمشاركة في جيوش الظالمين والمرتدين – المعارضة والثورة خطوط التلاقي والتناقض – الهجرة في زمن الثورة – المرأة والثورة – الحرية السياسية مشروعيتها وضوابطها – الجماعة والثورة الأولوية والمشروعية – تمكين الشباب لإدارة الثورات والبلاد المشروعية والضوابط – الخلافة بين اللفظ والمعنى – الإعلام أهمية وضرورة – المال والإعلام – وسائل التواصل الحدود والضوابط.

وغيرها من مئات المسائل التي تحتاج إلى كيان مؤسسي علمي لتقدير وتأصيل الموقف الشرعي.

ثانيًا: إصدار مكتوب ومرئي للعلماء في النازلة الجديدة.

ثالثًا: الرد على شبهة من الشبهات المثارة حول الشريعة وتطبيقها في إصدار خاص.

رابعًا: متابعة أحوال الأمة وإصدار البيانات السريعة الخاصة بالموقف.

الروابط والهيئات الحالية
قد يقول قائل ما أكثر الهيئات والروابط والتنسيقات الموجودة على الساحة، وهذا حق بلا شك، هي من حيث الكثرة موجودة، لكن من حيث التبني لقضايا الأمة الاستراتيجية وإعلان الحكم الشرعي المناسب قليلة، بل تكاد تكون معدومة، لأن أكثر الروابط تابعة لبلادها، ومتأثرة بمن يمونها ويمولها، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.

إنما نحن بصدد كيان مؤسسىي جامع للعلماء الأحرار الذين لا يخشون في الله لومة لائم، ويقدرون الموقف الشرعي المناسب لحساب الأمة ولمصلحتها، وافقت أو خالفت من يمول أو يدعم.

ليس هذا مستحيلًا في نظري، الأمة ما زالت بخير، وجمهرة من علمائها يملكون الماكينة العلمية والشرعية بكل أدبياتها وشجاعتها، والوقت الآن ليس وقت الرمزية وإنما المؤسسات الحاكمة بضوء النصوص الخالدة.

وأخيرًا؛ هذا ما أملكه من طرح لا أملك غيره، ومن أراد التبني والعمل فجهدي ووقتي لذلك مبذول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد