ذو العقل يشقى في النعيم بعقله .. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

طربوش، تلك الكلمة التي تعلمت منذ صغري أنها تعني تلك القبعة الحمراء المتوسطة الطول التي كان يرتديها الرجال ضمن زي رسمي في مستهل القرن العشرين، ولكنني أدركت منذ ثلاثة أعوام تقريبًا في أحد التدريبات التي كنت محظوظًا بالاشتراك فيها أن لها معنى مجازيًا آخر، حيث شرح لنا صديقي محمود أنها تعبر عن تلك الثقافة أو العقيدة في التفكير التي يرتديها المرء طوال حياته خاطئة كانت أو صائبة.

ثم رزقني الله منذ وقتٍ قريب حيث بدأت بقراءة أحد الكتب الرائعة المتعلقة بهذا الأمر، وهو كتاب فن التفكير الواضح المترجم عن كتاب die kunst des klaren denkens للكاتب Rolf dobelli، الذي يتناول ما يزيد على خمسين خطأ في التفكير الإنساني، ونظرة الناس للأمور في حياتهم العامة، ولذلك في هذه السلسلة من المقلات سأحاول اختصار الأمر عليكم؛ لأشرح لكم هذه الطرابيش في سطور قليلة موجزة، عساكم تخلعونها إذا كنتم ترتدونها حقًّا، وتحذرون من ارتداء طرابيش جديدة منها.

1- طربوش: بالطبع سأنجح

وهو المبالغة بشكل منهجي في تقدير فرص النجاح. فقد ترى الكثيرين من الناجحين والمشاهير في مجال معين وتعتقد لوهلة أن الأمر سهل جدًا، ويمكنك تحقيق ما حقق هؤلاء، ولكنك لا ترى أن هناك مقبرة تضم عددًا يزيد بعشرات أضعاف الذين نجحوا وانتهى بهم الأمر إلى ذلك الحد، فتتجاهل أن احتمالية النجاح قليلة جدًا لدرجة قد تكون منعدمة.

ولذلك فإن التصرف الصحيح هنا هو الاطلاع والتعلم من خبرات الذين فشلوا في مثل هذه الأعمال من قبل! أو كما يقول الكاتب: قم بزيارة مقابر المشروعات أو المغامرات التي كانت واعدةً يومًا ما، إنها نزهة حزينة ولكن مفيدة للصحة.

2- طربوش: جسد السبّاح

قد يرتدي هذا الطربوش وبكثرة المعجبين بالشخصيات العامة أو الفنون أو الرياضات، فجسم السبّاح ليس مثاليًّا؛ لأنه يقوم برياضة السباحة، ولكنه أصبح سبّاحًا لأنه يملك جسمًا يؤهله لذلك.

كذلك العارضات من النساء يقمن بالدعاية لمستحضرات التجميل، ولهذا يخطر في بال بعض المستهلكات أن مستحضرات التجميل يمكن أن تجعل المرأة جميلة، لكن مستحضرات التجميل ليست هي السبب في جعل هؤلاء النسوة يعملن كعارضات، فالعارضات وُلدن بالصدفة جميلات، ولذلك وقع الخيار عليهنّ من الأساس للعمل في الدعاية! فإذا خلطنا ما بين معايير الاختيار والنتيجة وقعنا ضحية طربوش جسد السبّاح، ومن دون هذا الوهم ستنهار غالبًا الكثير من الدعاية وستفقد أثرها!

والخلاصة هنا: في أي أمر تطمح إليه سواءً كان عضلات فولاذية أم جمالًا أم دخلًا أعلى أم حياةً أطول، حيثما وجدته ينال الثناء فانظر مليًا، وقبل أن تقفز إلى المسبح ألق نظرة على المرآة وكن أمينًا مع نفسك.

3- طربوش: «لن يضيع هباءً!»

ماذا ستفعل إذا اشتريت تذكرة لمشاهدة فيلم ما في إحدى صالات السينما، وفوجئت بأن الفيلم مملٌ للغاية؟! ماذا ستفعل إذا قمت بحملة دعائية وأنفقت الملايين ثم اكتشفت أنها لا تجدي نفعًا، هل تصرُّ على استكمال الحملة التي لم تصل لمنتصف هدفها بعد!

الطائرة كونكورد كمثال: على الرغم من أن الشريكين إنجلترا وفرنسا قد أدركا بالفعل أن صناعة الطائرة الخارقة لسرعة الصوت لن تؤتي أكلها أبدًا! فإنهما واصلا ضخ الاستثمارات المهولة فقط من أجل الحفاظ على هيبة الوجه القومي، فبالنسبة لهم الاستغناء عن المشروع كان سيعني الاستسلام، وليتهم فهموا أن هذا الأمر لا يقود إلى اتخاذ قرارات خاطئة مكلفة فحسب، وإنما قد تكون قرارات فادحة.

«لقد قدت السيارة لمسافة طويلة»، «لقد قطعت في هذا الكتاب شوطًا طويلًا»، «لقد أمضيت عامين في دراسة هذا التخصص»، بمساعدة هذه الجمل أعتقد أنك ستكتشف أنك ترتدي حقًا هذا الطربوش، ومن أجل ذلك عليك أن تدرك أن اتخاذ القرار بعقلانية يعني أن عليك أن تتجاهل التكاليف التي صُرفتها والتي سبق أن استثمرتها، وأن ما ينبغي أن تحسب حسابه هو الحاضر وتقديرك للمستقبل!

4- طربوش: الانحياز المعرفي

وهو يعني أن نصنع لأنفسنا صورة عن العالم بناءً على الأمثلة التي نعرفها فحسب!

فمثلًا قد تقابل أحدًا يعتقد أن التدخين آمن لأنه يعرف رجلًا كان يدخّن طوال حياته 3 علب من السجائر كل يوم وعاش حتى جاوز المئة عام، أو رجلًا آخر يخشى السفر بالطائرات أكثر من السفر بالسيارات لأنه يشاهد حوادث الطائرات عبر التلفاز وإن كان نادرًا، أو آخر يعتقد أن مدينة هامبورج آمنة لأنه يعرف شخصًا يعيش في أحد الأحياء لا يوصد بابه أبدًا ولا مرة حتى وإن كان في إجازة!

وكلما تكرر الشيء، سهّلنا على مخنا استرجاعه، وليس شرطًا أن يكون ذلك الشيء حقيقيًا، فكم مرة كرر النازيون كلمة «المسألة اليهودية» إلى أن اقتنعت الجماهير أن ثمة مشكلة جدية؟ يكفي أن نكرر كلمات مثل طبق طائر، أو طاقة حياة، أو تنمية بشرية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد