عندما تحيا في ثلاثة بلاد لا تشابه بينها في أي من الظروف، وتختلف كل الأجواء في كل الأماكن فيها، ولا يتشابه فيها إلا الألم والقهر والحزن، عندما تدرك أن السودان مثله مثل مصر، ومثله مثل النمسا التي غنت لعاصمتها – فيينا – أسمهان صاحبة الصوت الشجي. هنا تدرك أن المؤلف يمسك بخيوط لعبته جيدًا، وتدرك أن الرواية نسجت من عوالم متشابكة لم تنفصل فيها الأمور التي يحتاجها البشر عن الأمور التي يحتاجها باقي مخلوقات الله.

 

يتحدث الكاتب – طارق الطيب- في روايته بيت النخيل، ويقطر فيها مشاعره المرهفة الحس معنونًا مراحل حياة بطل الرواية – حمزة بن يوسف-، فيبدأ بالطفولة وهي في قرية “ود النار” جنوب السودان على بعد 60 كم من قرية البساتين.

 

يحكي عن الوالد الفظ، وشيخ القرية المتأسلم الذي ينعته بالنحس الأشول، ولا يعرف أن الأشول عبقري في غالب الأحيان، دومًا يحكي عن أمه (حبيبة بنت نور الشيلاني)، وعن أختيه كريمة وحليمة، ووفاتهما الصعبة عليه في كلمات تحيل لك كل معاني الفقد في هذه الحياة، وتتخلل الرواية مقتطفات لأحلام غرائبية الوصف والشكل والمنظر، يكتبها في كلمات تصل بك إلى عنان حد العقل وتعيدك مرة أخرى.

 

ثم ينتقل لمرحلة أخرى من مراحل حياة البطل، وهي مرحلة الشباب، فيحدثك عن التجنيد في السودان في فترات ما قبل الانفصال والحروب الأهلية، والأزمة الحقيقية التي تنشأ بين الشمال المسلم العربي الذي يرى في الآخرين وثن ووساخة لا تطاق، وفي الجنوب المسيحي الطائفي الذي يرى في يسوع المخلص الأوحد بسبب كنائس وجماعات تبشيرية طال تاريخها في البلاد.

 

ويحكي لك في المنتصف عن الناس – البين بين- الذين يرغبون في أن يُتركوا لحالهم فقط ليحيوا حياة صعبة، لكنهم يحبونها ويستسيغونها. يحكي لك عن التدريبات القاسية المهينة والطعام الرث والماء الشحيح، ثم معاملات الطواويس منتفخي الأزرار والبدل العسكرية، وكل مهامهم هو تنغيص عيش الأبرياء.

 

ويسافر ببطل الرواية إلى مصر، ويحدثك عن العم “ركابي”، وعين شمس، والنعام، واسطبل الزهراء، وكل الأشياء التي اندثرت في مصرنا المعاصرة، أحزن على ذكره لأشياء لا أعرف أنا كمصري عنها شيئًا .

 

ويفصل في وصف تفاصيل كثيرة لشخصيات سودانية تحيا بأصولها وبجذورها في مصر، وتمتد تلك الجذور إلى السودان محملة كل عبق الأجداد والأساطير التي طالما رددها أهل السودان أينما حلوا.

 

ثم ننتقل بحمزة بن يوسف بطل الرواية إلى الهجرة والسفر الأخير؛ حيث يسافر لفيينا بعد أن تم دفع تذكرة السفر من شخص من “ود النار” عاش في الخليج فترة.

 

يحكي لك بأسلوب شائق عن معاناته هناك مع البرد القارص في الطقس، والبرد الموجود بوفرة في البشر – بأسلوب المغترب المقتول المسحوبة منه روحه- يحكي لك عن أشباه البشر ومنتقصي الأرواح فاقدي البسمة والضحكات، لا فاقدي الهمة.

 

يحكي لك عن النمساويين بلغة جراح، ينقل لك كل شيء عنهم وعن أحوالهم، وعن قطته حكيمة، وعن ساندرا حبيبته التي يحكي لها كل حكايته وتموت في النهاية بسرطان البنكرياس، وتموت معها قطته حليمة. ويفكر في العودة إلى الجنوب حيث أرواح الأحباء، فتوقفه قطة أخرى مقعية في البرد وفتاة أخرى فاتها القطار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد