حفظ مؤرخو المسلمين الإرث التاريخي من الضياع، وقاموا بجهود جبارة لنقله، ولكن بعض القصص التي أوردوها مثيرة للريبة؛ لأنّ كثير مما جاء فيها نقضتها العلوم الحديثة، بالإضافة لوجود بعض الخوارق فيها، مما لا يقبله العقل المعاصر من بشرٍ عاديين، ومن هذه القصص التي تشبه الأساطير القديمة أو تكاد، قصة قبيلتي طسم وجديس، وهي حكاية أسطورية الحبكة نقلها المؤرخون، مثل ابن الأثير، والأصفهاني، والطبري، وغيرهم، وتدور القصة حول ملك طسم المدعو عمليق، والذي قرر أنْ يأتي كلّ عروس من جديس قبل زوجها، حتى تزوجت عفيرة بنت عباد الجديسية والملقبة بالشَّموس، فأتاها عمليق كما اعتاد، ثمّ استنهضت قومها للدفاع عن عِرضهم، فقالت:

أيجمل ما يُؤتى إلى فَتياتِكمْ

وأنتمْ رجالٌ فيكمُ عدد النّملِ

وتصبحُ تمشي في الدّماءِ عفيرةٌ

جهارًا وزُفَّت في النّساءِ إلى بعلِ

ولو أنَّنا كنّا رجالًا وكنتمُ

نساءً لكنّا لا نقرُّ بذا الفِعْلِ

فموتوا كِرامًا أو أميتوا عدوَّكمْ

ودُبّوا لنارِ الحربِ بالحطبِ الجزْلِ

وإلّا فخلّوا بطنها وتحمّلوا

إلى بلدٍ قفرٍ وموتوا من الهزلِ

فَلَلْبينُ خيرٌ من مقامٍ على الأذى

وللموتُ خيرٌ من مقامٍ على الذّلِّ

وإنْ أنتمُ لم تغضبوا بعد هذهِ

فكونوا نساءً لا تُعابُ من الكحلِ

ودونكمُ طيب النّساءِ فإنّما

خُلِقتم لأثواب العروسِ وللغسلِ

فبُعدًا وسُحْقًا للذي ليس دافعًا

ويختالُ يمشي بيننا مشيةَ الفحلِ

فكان أن غضب أخوها الأسود بن عفار وجمع قومه، فأبادوا طسم، إلا رجل واحد، يُقال له رياح بن مرة، والذي استطاع الهرب، فذهب إلى الملك حسان بن تبع الحميري واستنجد به، فكان أن أرسل الملك جيوشه للانتقام من جديس، وقد دارت أحداث القصة في منطقة اليمامة، والتي عاشت بها امرأة تُدعى زرقاء اليمامة، كانت ترى الركب من مسيرة ثلاثة أيام، وعندما غزا الملك حسان قبيلة جديس، رأتهم زرقاء اليمامة متخفين خلف الأشجار، فحاولت تنبيه قومها بأنّ الشجر يتحرك، ولكنهم لم يصدقوها، فغزاهم الجيش الحميري وأبادهم، وذكر ابن الجوزي القصة دون الشعر، بينما ذكر المسعودي طسم وجديس كأسماء قبائل دون التفصيل في القصة.

إنّ أبطال هذه القصة كلهم من أفراد وملوك وقبائل لم يردوا إلا فيها، ولم تعرف النقوش الكثيرة التي وردت إلينا – والتي تُحصى بالآلاف – عن الممالك والقبائل اليمنية القديمة ملكًا يُدعى حسان بن تبع الحميري، وحتى تبع فهو لقب للملك وليس اسمًا له، وعمليق الملك مجهول تمامًا أيضًا في كل النقوش المتوفرة؛ العربية وغيرها، فأنّى للشموس هذا اللسان العربي المعروف، وهذا النظم الشعري، وهي أبيات موزونة من بحر الطويل، وقافيتها مستوفية الشروط، وقد أصبح من المعلوم أن الأقوام العربية القديمة تتكلم لغة عربية تختلف عن اللهجات العربية المعروفة في الجاهلية.

لقد تحدثت الأساطير القديمة عن أحداث مشابهة لبعض ما ورد في هذه القصة، فالملك جلجامش في الأسطورة كان يأتي العروس قبل زوجها، ورد في ملحمة جلجامش:

«لقد اقتحم جلجامش (بيت الرجال) الذي خصص للناس

لقد أحل في المدينة العار والدنس

وفرض على المدينة المنكودة المنكرات وأعمال السخرة

لقد خصصوا الطبل إلى ملك (أوروك)، الكبيرة الأسواق

ليختار على صوته العروس التي يشتهيها

إلى جلجامش ملك (أوروك)، الكبيرة الأسواق

يخصصون الطبل ليختار العرائس قبل أزواجهنّ

فيكون هو العريس الأول قبل زوجها

وهم يقولون: لقد أراد الآلهة هذا الأمر وقدروه له منذ أن قطع حبل سرته

وما أن فاه الرجل بهذا القول حتى امتقع وجه أنكيدو».

لقد اختلفت وسائل العلم والبحث العلمي عن ذي قبل اختلافًا كبيرًا، وتوسعت العلوم وتخصصت، وظهرت الجامعات، وقلت المسافات بين الحضارات والثقافات المختلفة، وأصبح الحصول على المعلومة الدقيقة والتثبت منها أسهل، وإنّنا هنا لا نعرض الإرث الشعري أو التاريخي للتشكيك، بل نقسّمه إلى أقسامٍ ثلاثة؛ الأول تمّ إثباته بطريقة علمية ما، مثل النقوش، والثاني تم نفيه بطريقة ما، والثالث لم يتم نفيه ولا إثباته وهذا يشكل الجزء الأكبر، وعليه نُثبت ما تمّ إثباته علميًا، وننفي ما تمّ نفيه، ونتعامل مع الفئة الثالثة – والتي لم تُثبَت أو تُنفَى – على أنّها موجودة، فنستخدمها حتّى يظهر ما يوافق ذلك أو يخالفه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات