هنا سيدة تقول لك: مالك ومال حكي الناس اعمل اللي بيعجبك. وهناك على النقيض الآخر من يصرخ مناديًا بحقوق الفرد وسط ضغوط المجتمع القاهرة، حيث لا يسلم الصالح من لسان الطالح المفتري، ناهيك عن كثرة المحورين هذه الأيام الذين على ما يبدو يستطيعون منحك دورات تدريبية في التحوير، لتحصل على ما يعادل دبلوم جامعي في التواصل الاجتماعي. بعض الناس – ما شاء الله – صقل مهاراته عبر السنين مركزًا على كيفية تشريع وتحليل ما يريد فعله عن طريق ما يسمى بمهارات التمهيد التي يتسم بها the facilitation team والذي يقوم عادة بتقديم أي عنصر جديد أو سلوك حديث إلى مجتمع ما، بهدف مساعدة الناس على تقبل الواقع الجديد المفروض عليهم، كالعادة ممن لديهم صلاحيات أعلى منهم. وبين هذه الأصوات احترت كثيرًا في أيهما على حق، وتفكرت فوجدت أن الأخذ بالاعتبار لما يقوله الناس له أولوية، إلا في حالات استثنائية سأشرحها بعد قليل.

وشاهدي في أنه لابد لأحدنا أن يتفكر في تبعات أفعاله على الوسط الاجتماعي، وما سيقال عنه هو ثلاثة أقوال، أولها: أن الإثم هو ما حاك في صدرك، وخشيت أن يطلع عليه الناس، وهنا إطار مرسوم بدقة لكل ما يتوجب منك الستر عليه، لئلا يطلع عليه الناس مخافة اكتسابك للعقاب. نعم من منا لم يرتكب الذنوب والمحرمات، ولكن الفرق يكمن في أن فلان فضح، وآخر ستر على نفسه بشتى الطرق.

ثانيًا، فإن الله تعالى يقول في شأن المحجبة: ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين. فيتبين لنا إلى أي مدى تحرص هذه الشريعة على عدم المعرفة بهدف الأمن والحفاظ على النفس. بعبارة أخرى إن كان هذا مقصدًا لتشريع الحجاب، فلابد من باب أولى ستر الإنسان حياته عن ألسن الناس.

أما ثالثًا فلعمر – رضي الله عنه – لما أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي: قال الرسول عليه السلام «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»، نعم ركزوا مرة أخرى على جملة لا يتحدث الناس. هدف أساسي هنا، ومقصد، هو كف ألسنة الناس عن أفضل الخلق الذي يحاول أعداؤه جاهدين إيجاد أية ثغرة عليه، فما بالك بالفرد العادي.

يجب على أحدنا إذن أن يتصرف بما يضمن له كف ألسنة الناس عنه ومنه، رحم الله امرأ جب الغيبة عن نفسه، فلم يقل هم اغتابوني، ولكن كفى هو نفسه ألسنتهم. طبعًا في زمننا الحاضر، كما في أزمان أخرى، انتشر بكثرة الاتهام الباطل في أعراض الناس، والتكلم بما ليس فيهم، وستسمع عشرات المبررات، وأولها أن الله غفور رحيم، ولذا شرع الحج والتوبة بعد أن يقضي الإنسان حوائجه على حساب مصالح الناس فيما يعتبر تدافعًا بسبب الاختلاف بين الناس، ودعني طبعًا أخبرك أنك في زماننا هذا، وأن جببت المغيبة عن نفسك، فلأعدائك مصالح تكفي لإلباسك تهمة الزنى بأربعة شهود زور، فلا تستغرب، ووجب فعلًا على الإنسان أن يستتر ما استطاع من أعين الناس ليسلم من ألسنتهم، وبالذات على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما عن حالات الاستثناء لكي لا يأبه أحدهم بما يقوله الناس عنه، فهو عادة من يقوم بفعل منكر على المجتمع، ولكن لا يكون أول من يفعله، وبالتالي تخف وطأة الخبر إن كان ثاني أو ثالث شخص، وكلما كثرت القصص حول أشخاص قاموا بالفعل المنكر قبلك، كلما سهل عليك فعله لضعف مناعة المجتمع في مقاومة ما ألفت أذنه على سماع حدوثه.

أيضًا بإمكانك تجاوز السنة الناس، وعدم الاكتراث لهم في حال كنت في غربة وبعيدًا عن الأعين لفترة طويلة من الزمن، عندها لن يجد الناس ما يتحدثون به، فالبعيد عن العين بعيد عن القلب، وألسنة الناس أيضًا.

أخيرًا دعني أخبرك أن من الأمور في الحياة ما يستحق منك أن تسمع الآخرين يقولون لك: إنك على خطأ، ويسبونك، ويسيئون لك عمدًا أو حقدًا أو غيرة أو لأي سبب كان، ولكنك تريد تحقيق هدفك ذلك مهما كلف الثمن. ويفيدك في هذه الناحية ترك المساحة للناس لتتكلم بعد تحقيقك لهدفك بفترة زمنية لا بأس بها، فحينها يكون كلامهم في مصلحتك، ولا يبدو من كلامهم سوى ضعف حجتهم، وهذه طبعًا هي سياسة الأمر الواقع، حيث تستفيد من سير الأمور لصالحك حتى لو كنت على إثم وفعل الحرام علنًا وعلى خطأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد