منذ أن تبين للإنسان أن الموت هو المواجهة الأخيرة مع المجهول، لم يكن مفاجئًا له المعاناة الدائمة من الخوف منه، خصوصًا،من يعاني من القلق والتوتر والهلع، وخاصة في أوقات الحروب والمعارك العسكرية.

 

وإذا كان الموت أمرًا حتميًا، فإنه من المستحيل الهروب من حقيقة الخوف منه، خصوصًا، إذا علمت أن الخوف من الموت يحدث لكثير من الناس، بالرغم من اختلاف ثقافاتهم؛ فمعظم الناس ينفرون من الحديث عن الموت؛ لأنه ينهي أية فرصة لهم للاستمرار في متع ومباهج الحياة.

 

أما بالنسبة للإنسان المؤمن، فالموت لا يمثل له ذلك المجهول الذي يرهبه ويرعبه، ولكنه قضاء الله وحكمته، وكما أن للحياة حكمة، كذلك فإن للموت حكمة وغاية.

 

إن اتجاهنا نحو الموت اتجاه متناقض؛ ذلك لأننا نسلم به، ولا ننكره، ولكننا نكرهه ونتوقعه، ونود أن يتأخر. نعترف به، ولكن ننساه.

 

هذه مقدمة بسيطة عن الموت، وكيف يخاف الإنسان ـ كثيرًا ـ من لحظة فراق أهله وأخوته وأقاربه وأصدقائه وجيرانه، والقافلة تطول؛ إذ يشعر سكان قطاع غزة بالخوف من الموت، وذلك بعد مشاهدتهم ثلاثة حروب إسرائيلية يمكن وصفها بـ«الهمجية» تجاههم.

 

لقد بدأت (إسرائيل) بحربها الأولى، وذلك أواخر عام 2008م، وأوائل عام 2009، ضد قطاع غزة، أسمتها المقاومة الفلسطينية بـ«حرب الفرقان»، وسماها العدو الإسرائيلي بـ«الرصاص المصبوب»، واستمرت تلك الحرب 22 يومًا كاملة، سبقها خرق للتهدئة، عدة مرات من قبل العدو، وقد استخدم العدو خلال هذه الحرب كل أدوات الإجرام والعدوان فلم يسلم شيء في القطاع من إجرامهم وطغيانهم.

 

وخلفت الحرب العديد من الشهداء والذين يقدر عددهم بـ 1440 شهيدًا، كما بلغ عدد الجرحى 5450 جريحًا، ويقدر عدد الذين تشردوا من بيوتهم 9000 مشرّدًا، وبلغ عدد المساجد المدمرة 27 مسجدًا، ودمر 34 مرفقًا صحيًا،وتضررت 67 مدرسة.

 

وأما اليوم الثامن من الحرب الإسرائيلية «المسعورة» على القطاع، فقد نقشت في ذاكرتي بالنار والبارود والقذائف الصاروخية؛ إذ شاهدت الموت بأم عيني، وشاهدت الناس الذين سقطوا أمامي، ما بين شهيد وجريح، دون فهم سبب هذا القصف غير الأخلاقي، على مكان نتعبد لله عز وجل.

 

البداية، عندما كنت في البيت جالسًا مع أهلي وزوجتي، سمعنا مناديًا ينادي بصوت مرتفع، وعلى وجهه الخوف والحزن على ما سيحدث له، فقال «يا أهل الحارة اطلعوا من دوركم (منازلكم)؛ جيش الاحتلال اتصل علي؛ وقال لي أخلي البيت بدنا نقصفه، ومعك ربع ساعة».

بمجرد سماعنا تلك الكلمات من جارنا المكلوم وبيته الملاصق لبيتنا، بدأت عمليات الطوارئ في المنزل؛ فكل فرد سارع إلى غرفته أو شقته لأخذ ما يلزمه من ملابس أو حاجيات أساسية لا يستطيع الاستغناء عنها، والسبب أن الوقت ضيق جدًا “ربع ساعة فقط”، مما سمع به جيش الاحتلال لإخلاء المنازل المجاورة لبيت جارنا.

 

وبحمد الله عشر دقائق واستطعنا أخذ القليل القليل من حاجاتنا الأساسية، وخرجنا من البيت مسرعين، فمنا من ذهب إلى بيت  أقاربنا القريب من منزلنا، والبعض الآخر ذهب إلى أقارب لنا يسكنون بعيد جدًا.

 

وبما أن زوجتي كانت حبلى بمولودنا الأول قررنا الذهاب إلى منزل والدها يبعد بنسبة كبيرة عن منزلنا، بحيث كنت خائفًا على حياتها وحياة الجنين، في ظل استمرار القصف على المناطق الزراعية والسكنية من حولنا، فاستطعنا الوصول إلى المنزل بحمد لله.

 

وفي اليوم التالي، قررت الخروج من منزل والد زوجتي والذهاب إلى الحي لأعرف الأضرار التي لحقت بمنزلنا وبالمنازل المجاورة لمنزلنا.

 

وأنا في الطريق رأيت ابن عمي في الأربعينات من عمره؛ لأحدثه عما حصل معنا، فوجدنا أنفسنا عند باب «مسجد التوبة» بالقرب من منزل والد زوجتي، فدخل قريبي إلى المسجد، فتردد قليلًا، ففي هذه اللحظة قررت أن أذهب إلى مسجد آخر، وهو مسجد «الشهيد إبراهيم المقادمة» القريب من منزلنا بشكل كبير.

 

وأنا في طريق إلى المسجد غمرتني سعادة كبيرة، وأنظر إلى السماء، والمنازل، والناس وهم ذاهبون إلى المسجد، والأطفال يلعبون في الرمال والكورة؛ لنسيان الحرب الدائرة ضدهم، ولو بشكل مؤقت.

 

ووصلت إلى المسجد لكني كنت متأخرًا بعض الشيء، فحاولت الالتحاق بالمصلين، ونجحت، وعند الانتهاء من الصلاة، أردت قضاء ركعتين، وعند الانتهاء من السجدة الثانية، إذ بي أسمع صوت انفجار كبير يلحق بلهب مشع.

 

فنظرت من حولي، رأيت المصلين يخرجون من باب المسجد والنوافذ، وكل فتحة للهروب من تلك الواقعة، في تلك اللحظة لم أعرف ما الذي حدث؟

 

وإذ برجل كبير في السن يسقط بجانبي، لم يتحرك، فحاولت القيام من مكاني؛ لمساعدته، فلم أستطع، فإذا بي أستلقي بجانبه مغشيًا علي؛ بسبب عدم استطاعتي التنفس، وحتى هذه اللحظة لم أعرف السبب.

 

بعد فترة وجيزة جدًا، فتحت عيناي لأعرف ماذا يحدث في المسجد، فرأيت ابن الرجل المسن يبكي ويقول «يابا .. يابا، الله يرحمك يابا»، فعرفت أنه فارق الحياة، ولكن ما سبب موته لم أعرف!، وبعد لحظات فقدت الوعي.

 

دقائق، وأستعيد وعيي، وأشاهد حولي العشرات من الناس يصيحون بأعلى أصواتهم «الله أكبر، حسبنا الله ونعم الوكيل على اليهود، ما بيعرفوا أنه مسجد بنعبد فيه الله، الله ياخذهم»، فعرفت أن قوات الاحتلال ارتكبت حماقة في حق المسجد الذي كان يصلي فيه المئات من أبناء الحي.

 

ووصلت إلى مستشفى «كمال عدوان»، الذي لا يبعد عن المكان، سوى بضعة أمتار، محمولًا على أكتاف المواطنين الذين هرعوا إلى المسجد لنقل الشهداء والجرحى.

 

وهنا بدأت المعاناة الحقيقية؛ إذ كنت بحاجة ماسة إلى التنفس، لكن لم أستطع، وعرفت السبب سابقًا بأن حوالي عشرين شظية من صاروخ إسرائيلي غادر دخلت  جسدي، وكانت أصعبها شظيتان دخلت الرئة، لذلك لم استطع التنفس بتاتًا.

 

وذقت طعم الموت مرات ومرات في تلك اللحظات، حاولت فتح عيني، لكن دون فائدة؛ بسبب فقدان الكثير من الدماء.

 

وعند وصولي للمستشفى، لم أستفق إلا في حالتين، أولى تلك الحالات كانت عندما حاول الطبيب المتابع لحالتي، وبهذه المناسبة اتقدم له بجزيل الشكر؛ لأنه وقف إلى جانبي في ظل وصول الأعداد الكبيرة من الإصابات والشهداء إلى المستشفى، فأدخل وبقوة أداة من الأدوات الطبية إلى رئتي اليمنى فكنت أصرخ بصوت عال «دخيلك ما يشبت سوافي» وما أن انتهى حتى انتقل إلى الجهة اليسرى، فأدخل نفس الأداة وأعاد الكرة، حتى سمعت من الدكتور المعالج «خلصنا يا أبو حميد».

 

وآخر كلمة سمعتها قبل دخول غرفة العمليات من الجراح «هاتوا وحدتين دم، عشان ندخله غرفة العمليات، وضع الشاب صعب جدًا، بحاجة للعمليات» ولا أعرف يخاطب من؟ وبم يرد عليه؟

 

ولله الحمد والمنة، لقد كنت أوائل من دخل غرفة العمليات؛ إذ أجرى الجراحين عملية سريعة؛ لإيقاف النزيف الداخلي، وإخراج الشظايا التي دخلت إلى جسدي.

 

وبعد الانتهاء من العملية، أدخلوني غرفة العناية المركزة لخطورة وضعي الصحي، والمتابعة الدقيقة لحالتي الصحية، ومكثت فيها لمدة 4 أيام متتالية، وكنت فاقدًا الوعي.

 

وفي اليوم الرابع والأخير مكوثي بغرفة العناية المركزة، نهضت من الغيبوبة، وأول شيء طالبت برؤية كان والدي، ودخل فقبلت يديه، وبعدها بلحظات دخل أصدقائي.

 

فيوم الثالث من يناير من كل عام تعيد ذكرياتي بأن ما تسمى (إسرائيل) تهدف لقتل كل الفلسطينيين، سواء كنت مقاومًا لها أو محايدًا، فالكل مستهدف؛ فوجودك على أرض غزة يهدد بقاءهم على باقي فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد