حاسة التذوق

أذكر تلك الأيام التي كنت أمضي فيها بخطواتي الأولى نحو أول صالون ثقافي عرفته في حياتي، كنت خجلًا لا أعرف شيئًا عن الفن والثقافة سوى أنني مقبل نحوهما بحب في سن متأخرة قد جاوزت العشرين وقراءاتي المتواضعة على مدى الحياة لم تتجاوز كتابين منذ الطفولة، الأولى قصة من سلسلة رجل المستحيل، والثانية أحد كتب د. مصطفى محمود حتى قد يتعجب أحدهم، إذًا ماذا كان السبب وراء حبي للفن والثقافة، الحقيقة أن الدافع والمحرك الأساسي كان صحبتي لأحد زملاء الدراسة والذي عرفته عاشقًا للفن، محبًا للكتاب، مجيدًا للقراءة والنقد والتحليل، كنت أجالسه بالساعات الطويلة، أستمع إلى آرائه بانبهار شديد، وأشعر أن ثمة خلايا جديدة تنمو وتنضج داخل عقلي وروحًا جديدًا تلتبس بها نفسي عقب كل ساعة جالسته فيها، صرت أجمع الكتب وأعبها عبًا داخل حقيبتي وصرت ضيفًا مشهورًا في شارع سوق الكتب القديمة بحي السيدة زينب، أشتري أكثر مما أقرأ وكأنني أصنع لنفسي مخزنًا من الفنون للمستقبل.

مضيت نحو أول صالون وأنا غير قادر على المناقشة أو إبداء الرأي، وكان اللقاء يشمل حالة نقدية لأحد الروائيين الشباب، كيف لي أن أتكلم وأنا ما زلت لا أجيد التذوق، ولو أردنا تعريف هذه الكلمة، فلنقل، إنها الحالة الإبداعية للعمل، هل هو عمل ناضج ومؤثر؟ أم أنه عمل مكرر، رتيب، يصحبه خلل ما؟

وكان الهاجس الذي يلح على عقلي، كيف لي أن أتذوق؟ كيف لي أن أقر أن هذا العمل قد جاوز الإبداع أم لم يطمح إليه؟

كنت أتعلم من زميلي كيف أتذوق العمل، كان يحضر لي الكتاب ويسرد لي الأسباب التي جعلت القراء عامة والنقاد خاصة يشيدون به عملًا إبداعيًا، فيصبح إعجابي مبنيًا على نصيحة من شخص ما، قام بتنويري.

وقمت بعدها بشراء بعض ما ذكر لي زميلي من الكتب المهمة، وصرت أقرؤها مستمتعًا بعد أن قاموا بتنويري ونصحي، فتيقنت أن التذوق هو حاسة قابلة للتعلم، فيكفي لأحدهم أن يشير لك بإصبعه لكي تقوم بقراءة أحد الكتب أو مشاهدة أحد الأفلام المهمة.

وصرت على هذه الحال حتى مضيت في يوم نحو دار المعارف وأنا أنوي شراء مسرحية هاملت، وشرعت في قراءة المسرحية، وأنا على يقين من أن سحابة النشوة ستحملني معها نحو السماء بعد ساعة أقضيها مع الأوراق الأولى للمسرحية، إلا أنني صدمت!

فالسحابة لم تأتِ، والملل والرتابة كانا قدمي الراسختين على الأرض، فلم أستشعر جمال الحدث، ولم أنجذب إلى هواجس الأبطال، وبالتالي لم أكمل القراءة.

ثم تكرر الأمر مع بعض القصص القصيرة لتشيخوف، ثم ذات الأمر مع ديستوفيسكي، وقلت إنه فارق أجيال، فسابق ما ذكرت كان لمبدعين من أزمنة تسبقني بكثير، فتيقنت من تلك الهوة الزمنية، التي صنعت فجوة نسبية بين مؤلف استخدم مفردات زمانه وقارئ يبحث عن مفردات أكثر حداثة.

فشعرت أن التذوق يحتاج إلى شيء من القرب.

التذوق والسيرة الذاتية

مضيت بعدها أقرأ وأشاهد لأجيال أكثر قربًا مني، وقد أحببت منهم الكثير، كنجيب محفوظ، فتحي غانم، توفيق الحكيم، حسين كمال، صلاح أبو سيف، وغيرهم الكثير، إلا أنني لم أعجب بآخرين، وهم ذوو وزن وسيط لا يخفى على أحد. فصرت في حيرة، حتى إنني استشعرت أن التواصل حتى يتم بين المبدع والمتلقي، فلا بد من شيء مشترك، حتى يستطيع المتلقي أن يتذوق العمل.

هنا استشعرت أن التذوق هو حاسة، مرتبطة بالسيرة الذاتية، فنحن نبحث عن أنفسنا في العمل الفني، فلو تخيلنا أن مجموعة من الأصدقاء وقفوا أمام لوحة واحدة، فسنجد أن أحدهم قد تركز كل تنبيهه مع شخصية بعينها، وقد رأى نفسه داخلها وكأنها مرآة تتحدث عنه وعن أزماته الشخصية، خصوصًا أزماته السرية التي يحتفظ بها لنفسه، وقد يصل الحال أن يحمل المتلقي العمل فوق طاقته، فهو يكمل القصة التي رآها ويسقط عليها من نفسه كسفًا من رغباته وصراعاته وطموحاته وآلامه.

وقد يجد البعض العمل فارغًا، لا قيمة له، وقد يرى أحدهم أنه قد تجاوز كل مراتب الأعمال العظيمة.

هكذا يصبح التذوق حالة خاصة نسبية جدًا، تبعًا للمتلقي.

وفي السينما كانوا يحدثوننا عن الحالات النادرة، التي اجتمع فيها المؤلف والمخرج على مناقشة ذات القضايا، والمتابع لهذا الفن يعلم جيدًا أن عظماء هذا الفن كانوا يلعبون دور المؤلف والمخرج وأحيانًا المصور كستانلي كوبريك، والسبب أنهم لم يجدوا الكاتب الذي قد يعبر عن أفكارهم، وهذا واقع لا ينكره أحد، فلا يوجد من ذات الإنسان نسخ متعددة، فالتفرد هو سمة الخلق في الكون.

وهناك من يتذوق العمل ثم يستلهمه بروح جديدة، فالمخرج داود عبد السيد عندما قرأ رواية مالك الحزين لإبراهيم أصلان، وجد في شخصية الأب الكفيف ضالته، وقد كان في الرواية شخصية ثانوية وكان ابنه شخصية محورية، فلما أحال داود الرواية إلى السينما في فيلم الكيت كات، وجدنا البطل هو الأب الكفيف الماضي في حياته بعبث، ووجدنا ولده شخصية ثانوية.

هكذا يحدث، نتذوق من منظورنا الخاص دائمًا، ونسقط همومنا على ما نجد من أعمال فنية.

الذوق العام

وإذا كان الذوق مبنيًا على هنا يأتي السؤال، إذا كان التذوق حالة خاصة، فما هو مصدر مصطلح الذوق العام؟

من وجهة نظري فهذا المصطلح يرتبط بوجهين أساسيين.

الوجه الأول، هو الوجدان الجماعي أي العواطف الإنسانية المشتركة كالحب، الأمومة والصراعات الطبقية.

منذ عدة أشهر، فازت صورة يحمل فيها طفل إوزة وهو يحتويها بحب شديد، وما أن أصبحت هذه الصورة على إحدى صفحات السوشيال ميديا، حتى وجدنا أن رقم الشير قد تجاوز الآلاف.

في حين أن أعمالًا أكثر عمقًا لم تنل الاهتمام ذاته، تلك هي النظرية، الحب وما تلاه من المشاعر المشتركة هي الأكثر قبولًا بين البشر، فكم من مغنٍّ قامت أغانيه عن الحب، وكم من مغن تناولت أغانيه أزمات المجتمع وصراعات الدول وهواجس الفلاسفة والملحدين.

أما الوجه الثاني للذوق العام، فهو الموجة، فلكل عهد موجة، تتمثل في جميع مفردات حياتنا، كالأزياء، الديكورات، الألوان، الإضاءة، السيارات، وهي حالة مؤقتة، لا تلبث أن تتغير بتغير الظروف المجتمعية، ففي سنة نجد أن الجميع يرتدي الأبيض والأسود، وفي سنة أخرى نجد اللون البرتقالي سيد الموقف، العمارة قد تحاكي التراث وقد تقترب من تصميمات المركبات الفضائية، كلها أمور تتعلق بالمزاج العام للعالم، وبالأحداث المؤثرة، كالحروب والثورات، والسأم من افتقاد الطبيعة وزحام المدن والرغبة في العودة إلى نعومة الحياة الأولى.

وهو الجزء الذي يلعب عليه تجار الفن، كالجاليريهات، وقطاع كبير من صناع السينما، فهم يصنعون ما يريده الناس، يبحثون عن مصطلح التناقض والبروباجندا قبل أي شيء آخر، وقد لا أختلف مع هذا الأمر إذا ما كان لأسباب تجارية، أما الأغراض الفنية التي تخلو من التجارة، فلا يجوز أن يشوبها طمع أو هواجس مادية، خصوصًا أن الأولى تذهب دون رجعة أما الفن فيمكث في الحياة على قدر عمقه وأصالته.

حتى هذه اللحظة لم يتم التأكد إذا ما كان هوميروس هو من أبدع الإلياذة والأوديسة، وشكسبير لم تكتشف عبقريته إلا بعد وفاته، كارافاجيو عاش حياته متنطعًا في الحانات وأعماله الآن تعرض في المتاحف ومنذ سنوات محدودة تم الاحتفال بالعثور على أجزاء من رفاته.

فالفن الصادق عمره أبقى من عمر مبدعه.

التذوق ونقطة الكشف

هنا تأتي نقطة أخيرة، وهي نقطة الكشف أو التنوير، فكثيرًا ما طالعنا أعمالًا مبهمة فشعرنا نحوها بالسأم والملل، وفي اللحظة التي تكشفت لنا فيها الرموز فأصبنا الهدف والمغزى، صار تذوقنا للعمل متناقضًا مع المشاهدة الأولى، فنجد أنفسنا قد تحولت من السخط إلى التمجيد، ومن الشعور بالغربة نحوه إلى الحكي عنه في المجالس والمدح في أسلوب التورية الذي اتبعه المبدع حتى نجتهد في فك الرموز وتعيين الشخصيات وكشف السر عن كنه العمل ورسالته.

والواقع أن التذوق كثيرًا ما يحتاج إلى الثقافة العامة، فالمتلقي قد يجد نفسه في حاجة إلى أن يصعد إلى المبدع، حتى يتسنى له فهم واستيعاب ما يدور في مضمون العمل الفني، فلو توقفنا مرة أخرى أمام فيلم الكيت كات، فسنجد أن هناك من استمتع بالمستوى الأول للمشاهدة، وهي شخصية الشيخ الكفيف والطريف ذي المقالب المتكررة، وهذا مستوى أول للمشاهدة، وهناك من انجذب للمستوى الثاني والذي عبر بشكل ما عن حالة العبث التي صاحبت حياته، وعن تلك الإعاقة التي كانت سببًا في تكوين شخصية ذات أبعاد مختلفة تتسم بشيء من العمق، فهو يتحدى الإعاقة بإقبال شديد على الدنيا ولا يخشى أن يقود الدراجة أو يجدف في البحر أو أن يهرب من أحد كمائن الشرطة، كذلك الحال في رواية الطريق، التي حملت أحداثًا درامية مشوقة، لكنها رمزت في النهاية إلى علاقة الإنسان بربه.

هذه وجهة نظري في مصطلح  التذوق، لذا كنت وما زلت أجهل تمامًا  كيف لي أن أحكم على عمل بأنه ناجح أو فاشل والأمر كله نسبي في النهاية، فقط أنا أؤمن بشيء واحد، أن الإبداع الصادق هو كل ما  يعبر عن سيرتنا الذاتية، أما من يبحث عن التقليد فسوف يذهب ويمضي، ذلك أنه قد اختار الموجة، وهي غير مستقرة وسيأتي يوم تنكسر فيه على الشاطئ وتذوب بين حبات الرمل نحو العدم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد