لولا اختلاف الأذواق

«كل فولة وليها كيال»، هكذا يقال عندما تختلف الأذواق في بلادنا. لكن حذار أن تقترب من المعتقدات الدينية أو السياسية أو المجتمعية.

الدين عندنا له ذوق واحد ومسار واحد ومفهوم واحد لا يحتمل المناقشة فإما مؤمن وإما عدو كافر، والسياسة هنا بين وطني محافظ على بلاده مهللًا لقادتها وإما خائن لا يستحق العيش بيننا، وأفكارنا وعاداتنا غير قابلة للتجديد أو الاستبدال فإما تشبهنا في كلامك ومظهرك وحتى طعامك وإما فأنت الغريب الذي لا نحب.

شعائرنا

كلما أتذكر مراحل التعليم أتذكر حصص الدين وكيف أنها كانت تقسمنا وهذا أمر طبيعي لا ضرر فيه، لكن كل ما يدهشني هو نظرة صديقي لأصدقائنا أصحاب الدين المسيحي وهم يمارسون بعض طقوسهم الدينية وإنكاره واندهاشه من فعلهم فيقول مستغربًا تعميدهم ومناجاتهم لربهم: ماذا يفعلون؟ وإلى أي رب يتحدثون؟ وأقول في نفسي ماذا عنا كمسلمين؛ نتجه نحو الكعبة لنبتهل وندعو الله بما نريده في الدنيا والآخرة.

الجميع له طريقته في العبادة فلا داعي للتهكم والسخرية.

إذا نظرت إلى بوذي يسجد لآلهة ويقدم لهم القرابين ستضحك في نفسك، وإذا نظر البوذي إلى يهودي يبكي عند حائط المبكى سيتهكم، واليهودي لا يخفي سخريته من القرآن الكريم وكلماته، والمسلم يدعو متهكمًا للهندوسي بالهداية، هناك من يتوجه لحائط المبكى ومن يعمد الصليب ومن يسجد لبقرة ومن يبكي لتمثال ومن يشتاق للكعبة وكلها معتقدات نؤمن بها كل على حدة، لكن لا داعي للسخرية والهجوم على الشخص المختلف.

الموضوع

لكن كل هذا ليس ما أريد الحديث عنه، ما أريد الوقوف عنده هو تقاليدنا في الطعام، تذوقنا، انقسامنا بين العديد من الأطعمة والمذاقات المختلفة، من أين نشأ هذا الاختلاف، حتى أصبح للطهي علم وله رواد وقنوات إعلامية وكتب وطرق مختلفة، هل اختلاف ثقافات، أي هل كان يلفظ أخي النباتي قطع اللحم التي كانت تدسها له أمي خلسة في طفولته لأن ثقافته تدعوه لعدم تناول اللحوم، وهو الذي بالمناسبة كبر على ذلك ولا يطيق اللحوم حتى يومنا هذا، أم أنها نفس وتذوق.

ننقسم ما بين نباتي وحيواني ونبرر حبنا، فالنباتي لا يفتأ يذكرنا بأهمية نظامه الغذائي وأضرار اللحوم والمنتجات الحيوانية على الجسم وكيف من الأصل أن تأكل لحم روح خلقها الله متعجبًا مستنكرًا ذلك.

والحيواني يحب اللحوم بالطبع ويرى فيها متعة من متاع الدنيا وينظر للنباتي نظرة المشفق على حاله وكيف له أن يحرم نفسه من تلك المتعة.

لولا اختلاف الأذواق

كنت أعتقد أن هذا هو الانقسام الوحيد بين الأذواق في الطعام، لكن ومع انفتاح العالم صدمت بأن هناك ما هو أكثر من ذلك.

مطاعم فاخرة في فرنسا مثلًا تقدم حساء الضفادع كأحد أطباقها الشهية، الصين هي الأخرى تفضل تناول الصراصير كوجبة طعام، الدود يتناوله البعض والبعض يقسم لك بعظمته، كينيا تتناول لحوم التماسيح، الأمر وصل لوجود حلوى من الحشرات في بعض الدول. 

العديد من الأطعمة التي قد تبدو لنا مقززة، لكن ماذا عن طعامنا وكيف ينظر إلينا الهنود مثلا ونحن نتناول لحوم البقر وهو حيوان يقدسونه، الطيور والمواشي وغيرها قد ينظر إليها البعض بأنها حيوانات لا تصلح للطعام تمامًا كما تنظر إلى الحشرات والضفادع والتماسيح والقرود التي يتناول لحومها البعض.

في فيلم (cast away) للممثل الأمريكي القدير توم هانكس وضح لي بالفعل ما أريد أن أفسره وأنه كيف لإنسان عادي يتناول الطعام العادي -بالنسبة لنا على الأقل- أن يتحول بعد فترة إلى إنسان آخر يأكل الحشائش والأوراق والأسماك نيئة.

والشاهد من ذلك أن الإنسان ربما يتخلى عن الذائقة من أجل العيش وبعد ذلك يصبح معتادًا على مذاق جديد يدخل إلى قاموس طعامه المفضل.

لو ذهبت إلى الصين بالطبع ستبحث عن مطعم يقدم الطعام الذي اعتدت عليه في بلدك، ولكن ماذا لو عجزت عن ذلك -وهو أمر نادر الحدوث، لكنه وارد- وكان لا بد أن تعيش هناك لسنين، بالطبع سوف يدفعك الجوع والإنهاك لتناول أي شيء ومرة تلو الأخرى سوف يصبح هذا الأي شيء من ضمن قائمة الأشياء المفضلة أو على الأقل العادية.

التطبع

الكبار يصعب عليهم فكرة التجديد لأنهم قد عاشوا مدة طويلة من الزمن اعتادوا على نظام ما لا يحبون تغييره، بل يدفعون بصغار السن نحو نظامهم، حتى يصل الأمر إلى صعوبة إضافة أي نوع من «الصوص» للطعام دون أن يوافق ذلك أمزجة الكبار، الآباء لا يملكون المرونة هم يحبون طعامًا محددًا لا يمكن تغييره إلا بقوة الأغلبية من الصغار.

في التجنيد مثلًا وحيث لا يوجد رفاهية الاختيار والاعتراض على نوع طعام محدد فأنت أيها الجندي مقيد بطعام واحد فلا بد وأنك ستتناوله، بل ستحبه بعد ذلك.

ما دمت مخيرًا فأنت لست من أتحدث عنه في مقالي، لأنك بالطبع سوف تميل إلى ما سُجل في خلايا المخ وما اعتدت على أنك تحبه وستترك ما لا يستسيغه لسانك أو بالأحرى ما لا تحبه نفسك ولا اعتدت عليه من قبل.

فعند الاختيار ما الذي يقرر لنا، العين أم اللسان أم ذاكرتنا أم التقاليد وما نشأنا عليه ولماذا رغم رفضنا القاطع لطعام ما نتنازل عن ذلك عندما ترغمنا الظروف؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد