في بداية مشواري الجامعي كثيرًا ما صادفت أناسًا بالمدينة التي تابعت فيها دراستي، بعضهم أتقاسم معه الصف نفسه، آخرون أصادفهم في محطة «الأتوبيس» أو في رحاب المكتبة الوطنية وأنا أقلب صفحة كتاب أو أبحث بين الرفوف عن آخر شدتني إليه شهوة القراءة. كنت بين الفينة والأخرى أتجاذب مع من أصادفهم أطراف الحديث، مرات نقتصر على تبادل الأسماء والتخصص الجامعي الذي ندرسه، ومرات تمتد أحاديثنا لتقاسم اهتماماتنا وأصولنا.

حدث معي أن صادفت إحدى الفتيات في مقصف السكن الجامعي الذي أقطن به، تجاذبنا أطراف الحديث بعد أن سألتني كم تشير إليه عقارب الساعة، تجاوزنا ذلك فسألتني من أين أنت؟

قلت: من طاطا!

أين تقع؟

في الجنوب الشرقي للمغرب.

لم يسبق لي أن سمعت بها، هل هي قرية؟

قلت: لا مدينة في الهامش المنسي.

غير هذا، حدث أن أخبرت أحدهم أنني أنتمي إلى الإقليم نفسه.

قال: لا يمكن، جل سكانه من ذوي البشرة السمراء وأنت غير ذلك.

قلت: لا، أنت مخطئ.

وبينما نحن في حديث مطول عن هذه المدينة، أخبرني أحدهم أنها رقعة جغرافية لا تشهد أية التفاتة، لا صحة ولا تعليم جيدين، حينها تجادلنا في أمور كثيرة، أخبرته أن ثمة هوامش عديدة في المغرب غير طاطا، ولا توجد منطقة كاملة أبدًا. ختم مازحًا «الكمال لله وحده».

ربما هناك محاولات قبلية للتعريف بهذه المدينة، لكن لا ضير أن أضيف أو أكرر أنا الأخرى أشياء نحن في أمس الحاجة إليها، كما أنني سأحاول أن أدلو بدلوي حول المنطقة عبر عرض مجموعة من الأمور عنها، عل مقالتي هذه تكون سببًا في إزالة بعض الأفكار التي يحملها البعض عنها، أو علها تكون سببًا في التعريف بها وبجمالية تراثها.

يقع إقليم طاطا في الجنوب الشرقي للمملكة، تحيط به كل من أقاليم تارودانت، كلميم، أسا، ورزازات، وزاكورة. أما مدينة طاطا فتقع قرب الحدود المغربية الجزائرية.

أما عن سبب التسمية، فإن المدينة عرفت فيما مضى باسم «أسيف ن وولت»، بمعنى وادي التوبة، بعد هذا جرى توثيقها تحت اسم «ولتة»، هذا الأخير حرف فيما بعد ليصبح «تاتا»، ثم ضخم ليغدو «طاطا» إلى يومنا هذا.

ينقسم الإقليم إلى ثلاث دوائر، وهي دائرة فم زكيض، ودائرة أقا، ودائرة طاطا.

أما عن سكانها، فإنها تمتاز بتنوع السكان ما بين الأمازيغ الذين استوطنوا المنطقة منذ حوالي 10 آلاف عام، والأفارقة السود الذين قدموا إلى المنطقة منذ فترة قبل الإسلام إلا أنهم لم يتمكنوا من المحافظة على عاداتهم وتقاليدهم بسبب انخراطهم في ثقافة الأمازيغ، بالإضافة إلى بعض العرب الذين قدموا أيضًا إلى المنطقة ما بين القرنين السادس والسابع للهجرة.

ساد التلاحم والتعاون بين الفئات الثلاثة على مر السنين، وانتشرت أحبال المودة والرحمة بينهم بسبب زواجهم بعضهم من بعض، وصدهم للعدو الخارجي كما حدث في فترة الاستعمار الفرنسي.

أما عن تضاريسه فإنها تتنوع ما بين المرتفعات الجبلية والوديان بالإضافة إلى الواحات، أما عن أشجار النخيل فقد بلغ عدد أشجاره عام 2010 نحو 860 ألفًا، وفق المديرية الإقليمية للفلاحة. بالإضافة إلى ثرواتها المائية الغنية سواء السطحية منها أو الجوفية، كما أن المنطقة تشتهر بزراعة الحبوب كالذرة، القمح والشعير بالإضافة إلى زراعة الخضراوات.

تتميز المنطقة بسيادة المناخ الحار، حيث تعرف درجة مرتفعة خلال فصل الصيف، وتنخفض في فصل الشتاء.

أما فيما يخص مآثرها فإن المنطقة تزخر بمآثر تاريخية رائعة، كالتي توجد بمنطقة «آقا» معلمة «تامدولت» التي قيل إنها أسست في عهد الأدارسة، وهناك كذلك مآثر أخرى في دوار «أكادير الهناء» و«تزارت».

تتميز طاطا أيضًا بالنقوش الصخرية الموجودة في مناطق عديدة مجاورة لمدينة طاطا، كالنقوش الصخرية الموجودة في منطقة «تيكان»، كما ينتشر بالإقليم مناظر طبيعية خلابة، ففي تسينت مثلًا نجد «شلال العتيق» هذا الذي جعل من المنطقة محطة للسياح الأجانب حيث يتوافدون عليها بشكل كبير، كما أنها تتوفر كذلك على عدة قصبات وأبراج وقصور، مثل قصبة «السلطان»، وقصبة «جباير»، كما توجد مجموعة من الزوايا التي توجد في المنطقة، مثل زاوية «بن حساين»، وزاوية الشيخ «ماء العينين» بأم الكردان.

أما عن الرقصات الفلكلورية فهناك تنوع أيضًا، حيث نجد ما هو صحراوي وما هو أمازيغي، فمن التراث الأمازيغي مثلًا نجد: رقصة أحواش الشهيرة، التي يتقنها الطاطاويون الأمازيغ.

كما تزخر منطقة إيسافن (منطقة تنتمي إلى إقليم طاطا) بمؤهلات سياحية مهمة، منها على الخصوص مجموعة من المباني القديمة، وهي عبارة عن مخازن جماعية يطلق عليها اسم «إكودار»٬ تتكون من عدة طوابق لتخزين المخزون الفلاحي، بالإضافة إلى الحلي والمجوهرات، وغير إيكودار فإن المنطقة تتوفر على مدرسة عتيقة «سيدي ولكناس»، وهي من بين المدارس التي تستقطب مجموعة من الطلبة القادمين من مدن وقرى مجاورة لحفظ كتاب الله وتلقي الدروس في العلوم الشرعية.

هذا القليل فقط من تفاصيل طاطا والتي حاولت جاهدة أن أعرض فيها أهم ما يجب أن يعرفه الآخر، وأرجو أن تكون القليل من المعلومات التي عرضتها هنا سببًا في إزالة بعض الأفكار النمطية لدى البعض.

وأختم القول، «كما نفتخر بوطنيتنا نفتخر جميعًا بمسقط رؤوسنا».

ملاحظة. مقالي لا يتضمن أية عنصرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد