أن يتحرر المرء بانحيازه للباطل، وأن يقف في صف المُجرم ويُعلق آمالهُ بالنهوض والتنمية على من هو لم ولن يكون في يوم من الأيام إلا عدوًا، في خطواتٍ لقلب المفاهيم وعاصفة لصقل هوية مختلفة وصبغ الأمة بثقافة غريبة بدأت تألفها الشعوب، هي ظاهرة خطيرة لا يستوعبها عقل ولا يُدركها خاطر، ومأساة حقيقية واتجاه خطير بات يُلاحظه الجميع في الآونة الأخيرة.

إن التطبيع مع إسرائيل هو مصطلح ليس بجديد، ولكن أن تتبناه مستويات شعبية تجاوزت المستويات الرسمية، هنا تكمُن الخطورة، إنه انحراف حقيقي تمُر به القضية الفلسطينية بفقدانها العمق العربي والإسلامي وحاضنتها الشعبية.

ولا تتضح الأسباب وراء ذلك، أهي امتدادات لمواجهة حركة المقاطعة للكيان (BDS) وما حققته على الصعيد الدولي من فضح وتعرية هذا المحتل، أم هي ارتدادات لفشل منظومة القيادة الفلسطينية بشقيها في الضفة وغزة، وأيًا كان فلا أحد يُعفى من المسؤولية، ولا يُمكن اتخاذ ذلك ذريعة لتبني تلك الأفكار الشاذة.

فلم يكن هذا المرجو من الموقف العربي الذي يتهافت لخطب ود إسرائيل، بل كنا ننظر لإنهاء معاناة الإنسان الفلسطيني، سواء في غزة المحاصرة منذ عقد من الزمن أو الضفة التي ابتلعها الاستيطان، ليُشكل هذا الموقف صاعقة أخرى في حلقة من مسلسل مأساة الشعب والقضية الفلسطينية، لكن هذه المرة كان أكثر مرارةً؛ فظُلم ذوي القربى يكون أشد إيلامًا.

وفي الذكرى السنوية لوعد بلفور المشؤوم كنا نود أن نكون قد أحرزنا تقدمًا على مستوى المطالبة بالحقوق المسلوبة، لكن الفاجعة أننا تلقينا طعنةً غادرة في ظهورنا، فلا نأسف على موقف رئيسة وزراء بريطانيا التي رفضت الاعتذار عن الوعد الذي كان سببًا في نكبة وضياع فلسطين، فعندنا ما يكفينا من مواقف أبناء العروبة الغراء ما يدمي القلب ويندى له الجبين.

ليُصرح أحدهم أن الفلسطينيين هم من باعوا أرضهم، والقضية الفلسطينية كانت السبب في التأخير الشديد للعالم العربي، متناسيًا دماء الفلسطينيين في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، ويدون آخر أن الحق الإسرائيلي سيهزم الباطل الفلسطيني، متجاهلًا الانتصار الذي حققه أبناء القدس في الفترة الأخيرة على خلفية الأبواب الإلكترونية، ويعلق ثانٍ أن فكرة الاندماج مع اليهود في دولة، فكرة ولا أروع منها. ليجد أن الأروع أنه لا يضيعُ حقٌ وراءه مُطالب.

ليظهر جليًا أنها مسابقة لإثبات أيهما أكثر ولاءً وطاعة للكيان، في صورة لا تمت للعروبة التي كُنا نحلُم  ونتغنى بها في نشيدنا دومًا، بلاد العُرب أوطاني وكل العُرب إخواني.

ومن باب الإنصاف، لا يغيب عن أذهاننا موقف رئيس البرلمان الكويتي مرزوق الغانم والنائبة في البرلمان التونسي سلاف القسنطيني في جلسة للبرلمان الدولي، والذي طُرد منه الوفد الإسرائيلي المشارك، في مشهد مقابل يعبر عن الموقف العربي الأصيل، ليُشكل صفعةً قوية على جبين نتنياهو الذي لطالما تغنى بعهد جديد في العلاقات العربية الإسرائيلية.

وليتضح أن ما كان رجز، فلن يكون في يوم من الأيام عملًا صالحًا، فالمحتل الإسرائيلي مهما طال الزمن سيبقى الغُدة السرطانية التي لابد أن تُستأصل، لا ليُشفى الوطن العربي فحسب، ولكن ليُشفى العالم أجمع.

ومع ذلك لم يكن كافيًا هذا الموقف أمام الحملة التي تتعرض لها القضية الفلسطينية، والمدعومة بقوة من جماعات الضغط اليهودية، وفي هذا العالم المنحاز دومًا لإسرائيل غاضًا الطرف عن عدالة القضية الفلسطينية، ولتترنح الإنسانية تحت حُكم قانون وشريعة الغاب، لتبقى فلسطين في تراجيديتها، بالرغم من أن الشمس لا تُغطى بغربال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد