اقرأوا أولًا مقال:

—————

كل العظماء بلا استثناء كانوا مجددين وسابقين لفكر عصورهم ومغالبين للزمن والهرم والجمود؛ وذلك لأن ركن عظمة البشرية الركين هو في الانتصار على جمود الفكر وتخلفه وعدم مطاوعة ذاك الفكر لعصره الجامد، وخير مظهرٍ للانتصار على الزمن هو التفكير الدائم المتغيّر الخارج عن التقاليد والعادات المتخلفة، وتطور هذا الفكر باستمرارية بلا أدنى شك.

وبما أن القتل وسفك الدماء كانا دائمًا الحل الدائم لقتل الاختلاف؛ فإن الناس لا تجد حرجًا في قتل وسفك دم المختلفين كي يتخلصوا من فِكْرهم المخالف، فتستريح عقولهم حينئذ وتظل كما هي راكدة ثابتة داخل موتها المقيم، وهذا طبعًا بعد أن يبنوا أساس القتل باتهام المختلفين بالكفر والزندقة والعربدة على أقل تقدير. ولكن لم يصل الأمر مع توفيق الحكيم إلى حد القتل بل تم تكفيره واتهامه بالزندقة والابتداع فقط!

كل ما في الأمر من ضجة هنا هو أن كل هذه الاعتراضات مبنية على أساس خاطئ تمامًا؛ فقد أنشأ الحكيم في هذه الأحاديث علاقة بذات الله العليا، لا أنكرُ أنها ليست من العلاقات التي يستسيغها الناس بين الخالق والمخلوق، لكن لم يفهم أحدهم أنها مجرد مناجاة من مخلوق لخالق، مناجاة حبٍ علوي، ليس مما يفهم أو يؤخذ بالمدلول من أنه تطاول على الذات الإلهية، وهو ما لا يمكن أن يخطر على بال أي مؤمن بالله ورسوله.

يقول الحكيم في مقدمته لكتاب «الأحاديث الأربعة والقضايا الفكرية التي أثارتها»:

لن أقبل الفكر الذي يصدر بلا تفكر عن غير عقلي الذي خلقه الله ليفكر، ولا أرتدي بلا مناقشة ما خرج من قلب وعقل الآخرين دون تأمل فيه وتمحيص.

لقد كرر الحكيم أكثر من مرة في وسط حديثه أن الله لم يكن يخاطبه، وإنما الحكيم هو الذي يجيب مستلهمًا ما يمكن أن يكون رد الله على تساؤلاته من قرآن الله الكريم وسنة رسوله ﷺ، كما أنه يجب الإشارة إلى أن هناك العديد من مفكري الإسلام ومتصوفيه قد زوّقوا الأحاديث إلى الله شعرًا ونثرًا، وعلى سبيل المثال لا الحصر هناك ديوان ابن الفارض رحمة الله عليه، وكتابات ابن عربي، وكتاب «المواقف والمخطابات» لـ «النفري»، وهذا لا يعني أن كل منهم – إضافة إلى الحكيم أيضًا – على صوابٍ تام أو خطأٍ تام كذلك؛ فلكل منهم فِكْره الخاص به وأسلوب عبادته لله، وما تلك الكتب إلا نشرٌ للمناجيات لا أكثر، لا يُطلب من قارئيها الأخذ بها مأخذ العبادة والجد، بل يكفي أن يقرأوها ويستمتعوا بجمال رؤية طريقة تعبير أحد العباد عن محبته لربه.

إن هنالك قلبًا يشعر، وغريزة تُرشِد، وعقلًا يفكر، ففي تلك النوعية من القراءات – مثل «الأحاديث الأربعة»  لا يجب أن نلغي القلب والغريزة ونعمل بالعقل فقط لأن في ذلك إخلال لجمال النص بشكل عام، بل يجب أن يتحد العقل والقلب والغريزة معًا في آن واحد لتَعْبُر الكلمات من خلالهم، عندها سيُفهم النص بلا أدنى داعٍ للتكفير.

وقَوْل الحكيم «إن الله خالق القانون ليس فوق القانون وهو الحريص عليه» كان بمعنى أن الله لا يحطم القوانين التي وضعها للبشر ولا يخرج عليها وإن كان هو خالقها، إذ بإمكانه يوم القيامة معاقبة المحسن وإثابة المسيء، وألا يكون الجزاء على قدر العمل، ولكن الله لا يخلف الميعاد، وإن كان يستطيع إخلافه، فهو يحترم قانونه ولا يخرج عليه فيثيب المحسن ويعاقب المسيء.

أما عن الاعتراض الثاني وهو مسألة دخول العلماء غير المسلمين الجنة، فإن الاعتراض هنا ليس لهم حقٌ فيه، فهذا فِكرٌ لرجل لم يجبر أحدًا على أن ينصاع له ويمشي على نفس الدرب، ثم إن من اعترض عليه هم في الأول وفي الآخر مجرد بشر، فمَنْ هم ليقولوا إنه على خطأ وهم على صواب، في الآخرة سيعلم الكل من كان على صواب ومن كان على خطأ. ثم إن اعتراضهم هنا بدون أدنى دليل فكري مُقْنِع؛ فمسألة أن يدخل عالم أفاد البشر بأسرهم، وقرَّبهم من الله وزاد من إيمانهم به، النار لكونه فقط لا يشهد أن لا إله إلا الله قولًا وليس فعلًا، بينما يدخل رجل آخر لا ينفع أحدًا ولا يضره، حي كأنه ميت تمامًا، الجنة لكونه فقط يشهد أن لا إله إلا الله، فهذا أمر لا يقبله عقل، ولا تسلم به غريزة، ولا يرضى به قلب سليم.

وفي النهاية وبعد كل هذا الكلام يجد الناظر على الموقف من بعيد والمتأمل فيه أن الأمر كله لا يستوجب النقد، فهذا فكر رجلٍ لا يجب أن يتدخل فيه أحد، ولا يوجد أحد مُجبر على التسليم به والانصياع له؛ فلا ينبغي على من له فِكر مخالف أن يتهم المُخالف له بالكفر، بل يناقشه بتحضر ويعلم مقصده وحسب. وهذا يكفي! أما عن تأثيره في الآخرين فبلا شك هو – وإن أثَّر  فلن يؤثر سلبًا بل على العكس تمامًا، إن مثل هذا الحديث مليء بالفكر المتوازن الصحيح، كما أنه يحتوي على بعض من الأفكار الجيدة أذكر منها على سبيل المثال رده على فكرة عدم إنزال الله للإسلام مرة واحدة، بل أنزله بعد كل هذا الكم من الديانات، وحتى وإن كان الحديث أدنى من ذلك فما الضرر من قراءة مناجاة عبدٍ لربه بطريقته الخاصة؟!

وفي النهاية وبعد أن هاجم العلماء الحكيم هجومًا مشوبًا بنقد حاد، قام الحكيم بجمع أحاديثه الأربعة في كتاب «الأحاديث الأربعة والقضايا الفكرية التي أثارتها»، ورأى في إعادة الطبع للكتاب أن يستبعد الكلمات والأسطر التي كُتبت تخيلًا منسوبة إلى الله مراعاةً للحساسية الدينية التي لم يكن يريد إطلاقًا أن تسبب أحاديثه إزعاجًا لأي مؤمن، كما حرص على تخريج الأحاديث النبوية الموضوعة التي قال عنها العلماء إنها أحاديث ضعيفة أو غير موجودة ليغلق أفواههم بعد ذلك، وقد ذكرتُ هذا في نهاية عرضي للاعتراض الثالث.

وفي نهاية الكتاب أضاف الحكيم فصلًا بعنوان: «أنا مسلم… لماذا؟» أجاب فيه عن السؤال بالقول:

أنا مسلم لما جاء في الإسلام من عناصر ثلاثة: الرحمة، العلم،
البشرية وقبل ذلك وفوق ذلك لأني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم
لأني مؤمن بالرحمن الرحيم وهي الصفة التي وصف الله تعالى بها نفسه ونكررها في كل
ساعة: (بسم الله الرحمن الرحيم).

والآن سأورد جزءًا من مقدمة الحكيم لكتاب «الأحاديث الأربعة والقضايا الفكرية التي أثارتها» هو كما أراه خير نهاية لهذا المقال:

القضية التي يجب أن تناقش بجدية، تتلخص في أن بعض علماء الدين يريدون أن يكون لهم وحدهم حق تشكيل عقلية الأمة على أساس العلم الديني الذي درسوه هم من الكتب المعتمدة لديهم طبقًا للنصوص التي قرأوها وأقروها وحدها وقرأوها على طريقتهم، أي منفصلة عما استجد في العالم من معارف وإضافات.
ونراهم في نفس الوقت لا يعترفون لمن ليس منهم بحق التوجيه والتشكيل لعقلية الأمة على أساس العلم والثقافة العصرية، بغير أن يكون هذا الأساس العصري خاضعًا لرقابتهم وموافقتهم، وهم على ما هم عليه من انفصال عن حركة الفكر في أزمانه المتجددة، دون تفريق بين الثابت في الدين، والمتغير بتغير الزمان والمكان، في حين أن رجال الرأي والعلم يجدون أن تشكيل عقلية الأمة يجب أن تسهم فيه كل العناصر الإنسانية القائمة على النشاط الذهني والشعوري للإنسان: من عقيدة دينية، وفكر علمي، وأدب، وفن، وثقافة متجددة بتغير العصور من قديمه وحديثه، ما دام الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان.
والخلاف الأساسي هنا بين بعض رجال الدين ورجال الفكر المعاصر: هو أن علماء الدين هؤلاء يعتمدون فقط على العلم والثقافة التي كانت موجودة في عهد النبوة بأسانيدها المعتمدة عن هذه الفترة.
أما رجال الفكر، فيعتمدون على ذلك أيضًا، ويضيفون إليه كل ما وصلت إليه العهود الحديثة من علم وثقافة.
إن تراث الأقدمين ليس إلا إفراز عقول وقلوب بشرية عاشت في ظل معطيات حضارية تختلف عن يومنا هذا بما حدث من إضافات الحياة المتجددة.
وعليه فلا يجب أن نقف عند حدود تلك المعطيات الأولى وحدها، ونجعلها قيدًا لأفكارنا أو حدًا لا نتخطاه، فنظل مئات السنين ندور في حلقة مفرغة حول عصر واحد فقط كأن الإسلام لا يصلح إلا له ولأفكاره وظروفه وحدها: وهو عصر الإسلام الأول، نبني عليه كل تفكيرنا، وننسى أن الإسلام صالح لكل العصور والأزمان، لأنه من اليسر بحيث يصلح للحياة والتقدم في كل عصر زمان ومكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد