لا شك في أن الكثير على علم بما أثاره بعض العظماء من قضايا شائكة جعلت لكلٍ منهم ضجة معروفة؛ فدائمًا ما كانت الحُجَّة في التكفير واضحة: اخرج عن مضمار التفكير التقليدي تصبح كافرًا، اخرج واصرخ فيمن يعيشون في أوهامهم وثباتهم كالسكارى كي توقظهم باختلافك؛ تجدهم يثورون عليك بكل دوافع الكرهِ والعدوان، ذلك لأن هذه النوعية من البشر المُكفِّرين دائمًا لا يحبون التغيير بطبيعتهم، ويميلون دائمًا إلى الاستقرار والركود؛ لأنهم يخافون مخالفة ما أَلِفَته أذهانُهم وما عرفوه من ثوابت وعادات وأفكار.

فمثلًا هناك ضجة الدكتور «طه حسين» عن كتابه «في الشعر الجاهلي» عندما أنكر وجود الشعر الجاهلي… كما أنكر وجود قصة النبيَّين إبراهيم وإسماعيل تاريخيًا، وضجة علَّامة الأزهر الشيخ «علي عبد الرزاق» عن كتابه «الإسلام وأصول الحكم» عندما أنكر الخلافة الإسلامية من أصولها، وادّعى أنها ليست في شيء من الإسلام، وضجة الروائي العظيم طيِّب الذِكْر «نجيب محفوظ» عن روايته «أولاد حارتنا» عندما تناول فيها الذات الإلهية وتحدث بها عن الظلم الإلهي الذي حلّ بالبشر وخصوصًا الضعفاء، مما عطّل الصفات الألوهية عند الرب مثل العدل.

وطبعًا لم يكن هذا مقصد كل منهم من كتاباته، ولكن بما أن الوسط المحيط بكل منهم جاهلٌ بما يقصدونه من قضايا فكرية تستوجب التدقيق فيها كـمجمل، بعد النظر لأسباب كتابة تلك الكتب والمقصد الرئيسي منها والدافع المسبب كتابتها لا بـاقتطاع أجزاءٍ منها والحكم عليهم من خلالها كما حدث، فقد تمَّ -كما المعتاد- تكفيرهم، ووصل الأمر إلى حد المحاولة في قتل بعضهم كما حدث مع الأستاذ نجيب محفوظ. ولكن كل تلك القضايا لامست أمورًا من الأكيد أن أصحابها كانوا على علم بما ستحدثه من ضجة لأنها مخالفة للعادة، لكن أن تثير مناجاة توفيق الحكيم لربه، مُحَدِّثًا إياه بحب وبلا أدنى كلفة، ضجة بين الناس فإنه لأمر مثير للسخرية والعجب حقًا!

في الأول من مارس عام 1983 كانت بداية نشر الحكيم لـ«أحاديثه الأربعة» في سلسلة من المقالات بجريدة «الأهرام» بعنوان: «حديث مع وإلى الله»، وقد أثارت تلك الأحاديث ضجة سريعة بين الناس مع أنها لم تخرج عن كونها نوعًا من المناجاة مع الله، ويقول الحكيم عنها:

«إنها مناجاة بلغتي الخاصة، وثقافتي الخاصة، تعبيرًا عن حبي الخالص لربي»

وبالرغم من أنها كانت مُجرد مناجاة شخصٍ لربه، لا تُلزم قارئيها على الإيمان بكل ما فيها، إلا أن النقد جاء حادًا وغاضبًا من علماء الأزهر وبعض الشيوخ عن طريق عِدَّة اعتراضات وجهوها إلى توفيق الحكيم.

الاعـتـراض الأول

في البدء كان النقدُ نابعًا من الأساس الذي قامت عليه الأحاديث الأربعة ألا وهو طلب توفيق الحكيم السماح من الله أن يقيم حوارًا معه، حيث قال في حديثه الأول مخاطبًا الله:

«لن يقوم إذن بيننا حوار إلا إذا سمحت لي أنت بفضلك وكرمك أن أقيم أنا الحوار بيننا تخيلًا وتأليفًا… وأنت السميع ولست أنت المجيب، بل أنا في هذا الحوار المجيب عنك افتراضًا، وإن كان مجرد حديثي معك سيغضب بعض المتزمتين لاجترائي في زعمهم على مقام الله سبحانه وتعالى، وخصوصًا أن حديثي معك سيكون بغير كلفة؛ أي من القلب الصافي وحده، لا أتكلف فيه صنعة الأسلوب… فأنا سأخاطبك مخاطبة الحبيب لحبيبه؛ الحب الذي ليس كمثله حب، لأنك أنت ليس كمثلك شيء…»

وهذا هو ما اعتبره كبار الشيوخ والمفكرين تجاوزًا وخروجًا على تعاليم الدين الإسلامي، وتعديًا على الذات الإلهية لأن فيه تقييد لإرادة الله بإرادة البشر وهذا خطأ؛ فما من بشر مهما بلغت عبقريته يستطيع أو يُسمح له بتقييد إرادة الله، بحيث يجعل الله خاضعًا لإرادة بشر، يقول ما يقوله هؤلاء البشر ولو تخيلًا.

وقد اعتبر علماء الأزهر ذاك الكلام «اجتراءً على الله جسيم، وكل من يجترئ على الله سبحانه وتعالى بأن ينقل عنه عز وجل ما لم يقله موعود بالويل؛ فما بالك بمن قيد إرادة الله بإرادته يجعل الله يتكلم متى شاء توفيق الحكيم، ويجعل الله يسكت متى شاء توفيق الحكيم أن يسكت الله، ويجعل الله يحكم عباراته وكلماته عقل توفيق الحكيم وفكره، وإذا كان الله سبحانه وتعالى يقول لرسوله وأحب خلقه إليه: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ* لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، إذا كان هذا هو حديثه مع رسوله؛ أيبيح الله سبحانه وتعالى لتوفيق الحكيم ما لم يبح لمحمد ﷺ، نعتقد أن هذا غير مقبول».

إضافة إلى الاعتراض على الردود التي نسبها الحكيم إلى الله تخيلًا فكانت بمثابة الرد على كلامه معه مثل: «أكمل»، «استمر وأنت المُحاسَب على ما تقول»، «أنا الله لست فوق القانون ولكني الحريص عليه»، أوْ رَدٍ بآية مثل: «وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»، وقد أُسيئ فهم الحكيم والافتراء عليه بما لم يقله، وقد وصل البعض إلى إقصائه عن الإسلام بحجة أن الله لم يقل مثل هذا الكلام ولا حتى لرسوله محمد ﷺ، كما قالوا إنها ليست حرية رأي تلك التي يتعلل بها تناول المقدسات الدينية، ولا خير في أية حرية تؤدي إلى نشر مثل هذا الكلام في صحف بلاد دينها الرسمي الإسلام، وشرع الله مصدرها الرئيس في تقنين القوانين.

وعلق الشيخ الشعراوي على هذه الردود المنسوبة إلى الله قائلًا:

«الكلمة عند عباد الله محدودة بكمال المتكلم، فجاء توفيق الحكيم ليُخضع كمال الله الأزلي إلى كماله المحدود، ويجعل الله سبحانه وتعالى يتكلم بلسان توفيق الحكيم وفكره وعقله، وكأنه في هذه الحالة قد أخضع فكر الخالق وقوله لفكر المخلوق، فهل يصح هذا؟ وهل يمكن أن يضع فكر خالق لفكر مخلوق بحيث يتساوى الفكر بينهما؟ وهل من الممكن أن أخضع أنا المخلوق الضعيف فكر الله لفكري فأتحدث عنه وأتكلم عنه؟ أليس هذا خطأ؟!»

الاعـتـراض الـثـانـي

يقول «ألبرت آينشتاين»:

«إني أدين بأعمق الإجلال والتعظيم لهذه القدرة العجيبة التي تفصح عن نفسها في كل جزيء من جزيئات الكون»، ويقول أيضًا: «إن هذا الكون الفسيح البديع الترتيب الذي يتضمن هذه المجاميع الهائلة من النجوم لا يمكن أن يكون قد وُجِدَ عن طريق الصدفة، ولا يمكن أبدًا أن يكون ما يقوله بعض الناس من إنكارٍ للخالق صحيح».

ويقول «ألفريد كاستلر»:

«كلما ازداد تعمقنا في تركيب المادة تضاعف اقتناعنا بأننا ما عرفناها… فإن جزءًا منها سوف يظل إلى الأبد بعيدًا عن تعليلنا لأنه مخفي عنا… وحينما سُئل: مخفي بمن؟ … رد قائًلا: مخفي بالله».

ومن تلك الأقوال قام الاعتراض الثاني في الحديث عن العلماء المؤمنين بالله، حيث يقول الحكيم إنه كلما توغل العلماء في العلم اقتربوا من الخشوع لله، ولذلك اعتقدَ أنه من الطبيعي والمنطقي أن مثل هؤلاء العلماء المؤمنين بالله سوف يكون مصيرهم المغفرة والله هو الغفور… وحجته في ذلك أن العلماء أقدر على إقناعنا بوجود الله ووحدانيته من الفلاسفة الذين لا يعتمدون إلا على لغتهم وحدها (وهي في الغالب عاجزة أو ملتوية في رأي الحكيم).

وقد اعترض الحكيم هنا على من يروا أن مصير هؤلاء العلماء من غير المسلمين النار لأنهم لم يقولوا لا إله إلا الله شهادة لغوية… مع أنهم قالوها بالممارسة وليس باللفظ، ومارسوا قدرة الخالق ووحدانيته في أسلوبه المعجز في خلق الكون وقوانينه التي تدل على أنه الواحد، وأن أسلوبه الواحد في كل جزيء من جزئيات الخليقة لا يمكن أن يصدر عن غيره… حيث يقول علماء الدين إن هؤلاء العلماء غير المسلمين في النار مع أن الله حذر من الغلو في الدين، فاعتراض الحكيم على رجال الدين هنا لأنهم لم يغفروا لمن قدَّر الله بالاقتراب من أسرار خلقه، وقد تنبأ الحكيم بأن رجال الدين في المستقبل سوف يكونون من بين رجال العلوم… حتى يقتربوا من الله عن طريق أسلوب الخلق، وليس أسلوب اللغة وحده.

الاعـتـراض الـثـالـث

هذا الاعتراض لم يكن اعتراضًا عاقلًا من رأيي، بل إنهم أرادوا أن يُغالوا في تسفيه الحكيم فقط ليس إلا، فوضعوا هذا الاعتراض، وهو تأويل توفيق الحكيم لبعض الآيات وتفسيرها خطأً، كما قالوا إن الأحاديث الموضوعة ضعيفة أو غير موجودة من الأساس.

وقد غلَّق الحكيم أفواههم جميعًا بعد أن عاد إلى المصادر التي استقى منها الأحاديث وأوردها في كتابه، فإذا بها أحاديث حسنة الإسناد لا يخلو منها كتاب من أمهات الكتب الإسلامية، وقد حرص الحكيم على تخريج الأحاديث الشريفة بعدما نقل أحاديثه في كتاب «الأحاديث الأربعة والقضايا الفكرية التي أثارتها»، فلم يتكلم العلماء بعد ذلك في هذا الأمر.

يُتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد