(1)
لماذا تحوّل “توفيق عكاشة” من مجرّد سياسي وإعلامي مغمور قبل ثورة يناير، إلى نجم بالغ التأثير في المجال السياسي المصري للدرجة التي جعلته متحدّثًا غير رسمي للثورة المضادّة؟!

 

محاولة الإجابة عن هذا السؤال بشكل صحيح وافٍ، من خلال “مقاربة سياسية” تفسّر السبب في ذلك بدعم المؤسسة العسكرية له، ليست كافية؛ فهناك كثيرون من السياسيين والإعلاميين الذي حظوا بنفس الدعم دون أن يكون لهم نفس شهرة وتأثير “عكاشة”.

 

أيضًا، محاولة البحث عن إجابة صحيحة وافية لهذا السؤال، من خلال “مقاربة سوسيولوجية/ اجتماعية” تفسّر سبب نجومية “عكاشة” وتأثيره بأنهما راجعان إلى طبيعة خطابه الملائم للفلاحين وغير المتعلمين والطبقة المتوسطة السُفلى، هي محاولة غير واقعية بشكلٍ كافٍ؛ فجمهور “عكاشة” تضمّن حاملي شهادات علمية مرموقة وأصحاب مناصب عالية وكثيرًا من البرجوازيين.

 

ما السبيل الأمثل للإجابة عن سؤال بزوغ نجم “عكاشة” واشتهاره واتساع تأثيره إذًا؟!

 

في كتابه (حاوي الثورة المصرية – دراسة أنثربولوجية لظاهرة توفيق عكاشة)، الذي ترجمه الباحث الأريب طارق عثمان، ونشره مركز نماء للبحوث والدراسات، يحاول البروفيسير الأنثروبولوجي “والتر أرمبرست” استخدام “مقاربة أنثربولوجية” لدراسة الثورات، تعامل فيها – بصورة علمية رصينة للغاية- مع “عكاشة” كـ(حالة مرتبطة بمرحلة) وليس كـ(شخص مرتبط بجهة).

 

تنظر هذه المقاربة الأنثربولوجية إلى الثورة المصرية باعتبارها مرحلة “مجَاز ثوري” = مرحلة مَعبرية = مرحلة وسيطة انفصَل فيها المجتمع المصري عن النظام السياسي قديم، ولكنه لم يتمكّن بعدُ من تكوين نظامٍ سياسي جديد، وإنما هو عالقٌ بينهما في “وضعية مجاز” خالية من أي نظام سوسيو- سياسي. بطبيعة الحال، هذه المرحلة جزء من أي ثورة، وكلما قصرت مدة هذه المرحلة كلما كان أفضل، كي يسهل احتواء مخاطرها على المجتمع.

 

كما تنظر هذه المقاربة إلى “توفيق عكاشة” باعتباره حالة من نموذج “الحاوي”؛ فالحاوي: شخصية قوية وخطيرة، ولكنه تافه وسخيف في نفس الوقت، ومن ثمّ بإمكانه أن يتصرّف في سياق وضعية المجاز بطريقة مبدعة و/أو مدمّرة أيضًا. شخصية ذات طبيعة مزدوجة، مثيرة للضحك والرهبة في آن. الحاوي شخصٌ سخيفٌ بالفعل، ولكنه أيضًا خطير.

 

يرصد “أرمبرست” بصورة عملية حالة “عكاشة”، فقبل الثورة يمكن اعتباره شخصًا فاشلاً تمامًا ذا رتبة سُفلى في سلّم المحسوبيات داخل الحزب الوطني، وكان كإعلامي ما يزال ضائعًا وسط خليط من برامج المحطات الأخرى الأكثر شهرة، كسمكة صغيرة في بحر من الحيتان.

 

بعد الثورة، ورغم الشكوك حول حصوله على البكالوريوس، بل والدكتوراه!، واتهامه بتمويل البلطجية، والتورّط في موقعة الجمل، حاول “عكاشة” التبرؤ من ماضيه في الحزب الوطني مبررًّا ذلك بخلافات كثيرة كانت بينه وبين الكبار فيه. ثم انطلق من خلال (لغة شعبية مصاغة بوضوح شديد، وأسلوب يتسم بالتكرار، ونبرة وإيقاع ملائمان جدًا للمشاهد الأمّي ونصف المتعلّم) في صناعة حالة من “البارانويا الوطنية” بدأت تنتشر، قامت عناصرها على خليط عجيب من: الهجمات الخبيثة على الثورة، والولاء الخالص للجيش المصري، والعزف على نظرية المؤامرة، والبرهنة الدائمة المتكرّرة على كون الثورة صنيعة عناصر أجنبية تروم تدمير مصر! وجاءت مظاهرة “جمعة العبور” في ميدان العباسية الضيّق، 23 ديسمبر 2011م، تنصيبًا وبزوغًا لنجم “عكاشة” وجهوده الخطابية في برنامجه، حيث حضرها بضعة آلاف أغلبهم من ضباط الشرطة وأسرهم ومجموعات من الأشخاص قساة الملامح، وحظيت برعاية إعلامية موسّعة من تلفزيون الدولة. إلى جانب محطّات أخرى كان أبرزها قضية منظمات المجتمع المدني الشهيرة، ومن قبلها “فرقعة” (قانون مضاجعة الوداع)، ثم حلقته عن الكاتب الأمريكي “توماس فريدمان” لترسّخ تأثير “عكاشة” في مستمعيه أكثر. وبحلول ربيع 2012م، صار عكاشة ببساطة هو الوجه المعبّر عن عداوة الثورة وعداوة الإخوان، دون أن يدرك الكثيرون ذلك الوضع السياسي الخطير الذي بات يحتله.

 

ومع هذا، كانت خطب “عكاشة” البليغة تصرف الانتباه بعيدًا عن القضايا الهامّة، كالضغط الأمريكي على مصر لاعتماد أجندات بعينها، أو ضمان أمن إسرائيل عبر العلاقة الوسطية بين أمريكا والجيش المصري، وكما يقول أرمبرست: (إن مثل هذه القضايا هي آخر ما يودّ عكاشة أن يلفت انتباه الناس إليه في واقع الأمر).

 

من هنا يمكننا أن نفهم المقاربة التي استخدمها “أرمبرست” ببساطة. الحاوي “توفيق عكاشة” لم يكُن ليظهر ويؤثّر لولا وجود هذه المرحلة من “المجاز الثوري” الذي علَق فيها المجتمع المصري بعد يناير 2011، وكي يحافظ هذا الحاوي “عكاشة” على بقائه ظاهرًا ومؤثرًا لا بدّ أن يحافظ على استمرارية مرحلة “المجاز الثوري” وإطالة أمدها.

 

بعبارة أخرى أكثر تجريدًا، في حالة استثنائية (كمثال: مرحلة المجاز الثوري المليء بالفوضى والسيولة والتشوّش والارتباك)، ثمّة شخص استثنائي (كمثال: الحاوي الثقافي) يجد نفسَه في هذه الحالة باعتبارها المثالية المناسبة لطبيعته؛ وبالتالي يبذل قصارى جهده للحفاظ على استمراريتها، بترسيخ تشويش المعنى والتباسه وغموضه، ويبقى المجتمع في “أزمة المجاز” هذه.

 

جزء من طبيعة الحاوي أنّ الناس ينظرون إليه في مرحلة “المجاز” باعتباره “مخلّصًا” بدرجةٍ ما، وهو ما استثمره “عكاشة” جيدًا. وهذا الملمَح، بحسب ما عقّب به المترجم طارق عثمان، يفسّر بدرجة ما سخط الناس على الرئيس المعزول “محمد مرسي”، لأنه لم يضَع حدًّا لحالة “المجاز” المُربِكة هذه، ويفسّر أيضًا بدرجة ما، انجذاب الناس للجنرال السيسي لاعتقادهم فيه بأنه “المخلّص” القادر على إخراجهم من مرحلة “المجاز” هذه.

 

(2)
الكِتاب وإن لم يكن في حدّ ذاته “ممارسة نقدية” خالصة، إلا أنه مهمّ جدًا – ولا يمكن الاستغناء عنه- لكلّ مَن يروم المراجعة والنقد والتقييم لتجربة الثورة المصرية والفاعلين فيها، وديناميكية التغييرات التي مُنيَت بها، منذ قيامها وحتى اللحظة.

 

كما أنه إضافة مهمة للغاية في حقل الدراسات الأنثربولوجية التي تفسّر الكثير من الظواهر التي نحياها ونحتاج إلى فهمها من أكثر من زاوية “صحيحة”، وقد نجح المؤلف في محاولته في هذا الكتاب لبلورة مقاربة أنثربولوجية فاعلة للثورات.

 

الكتاب هو الثاني لي – إطلاعًا- في الأطروحات الأنثربولوجية التي تناقش المجتمع المصري، بعد كتاب (الدين والتصور الشعبي للكون) للسيد الأسود، وإن كان كتاب الأسود اعتمد منهجًا إثنوجرافيًا وصفيًا أكثر. المثير في كتاب “حاوي الثورة المصرية” أن هوامشه تحوي – ما يمكن بعد تجميعه اعتباره- قائمة بالكتب والأبحاث الرصينة التي تناولت المجتمع المصري بعد الثورة، خاصة في الطرح الأنثربولوجي غير المُحتفى به لسوء الحظّ.

(3)
أما عن الترجمة الرائقة، فقد ظهرت شخصية الباحث المترجم في الكتاب بشكلٍ طاغٍ، لدرجة أنني كنتُ أسمع صوته أكثر من صوت المؤلّف ذاته، وسبّب لي هذا بعض الارتباك الطريف في المناطق التي تحدّث فيها أرمبرست عن تجاربه الشخصية في البحث.

 

وكعادة المترجم ” طارق عثمان”، في انتهاز كل فرصة سانحة لإفادة القارئ بتكثيف وسهولة وسخاء، ضَمّن الكتاب مقدّمة لا غِنى عنها لفهم مادة الكتاب، وتعقيبًا يصلح أن يكون ملخّصًا لأهم ملامح البحث، وإن حفل بكثيرٍ من الآراء اللافتة والمعتبرة للمترجِم. وأرفق الكثير من الإحالات والتعليقات التوضيحية المفيدة في الهوامش على مدار الدراسة، بشكلٍ يُحمَد له.

 

فقط، لاحظتُ في الترجمة أن الترجمة الحرفية لمصطلح (anti-structure) على أنه (ضد– البنية) كانت تحتاج حَفرًا مُعجَميًا لائقًا لتقديم تعبير اصطلاحي أكثر وضوحًا ودلالة. عن نفسي اضطررت أكثر من أربع مرات، أثناء القراءة، أن أرجع إلى ص20 لإعادة استيضاح مفهوم “ضد البنية” الذي لم يستقرّ في ذهني بعدُ؛ لبُعد الارتباط بين الصيغة الاصطلاحية المُترجَمة والمضمون المفهومي لها، في ذهني على الأقل.

(4)
أخيرًا؛ فالدراسة التي تضمنّها الكتاب، كما عبّر المترجم، تفتح لنا – بحقّ- أفقًا أرحب لفهم الظواهر السياسية عامة والثورة خاصة. وتُجَرّؤنا بحثيًا لطرح أسئلة على شاكلة: هل تنسحب حالة “الحاوي” ومقاربة “المجاز الثوري” على نماذج مرّت بنا مثل المحامي المصري “حازم أبو إسماعيل” وآخرين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد