«لقد ظلت الوحدة تطاردني في كل مكان، في الشوارع والحانات وعلى الأرصفة، أنا أكثر الرجال وحدة في هذه الخليقة»
الحديث عن واحد من أعظم الأفلام السينمائية ليس بشيء سهل على الإطلاق.
لقد كان الفيلم هو إحدى تحف المخرج العبقري مارتن سكورسيزي، هذا الفيلم مثير للجدل على المستوى الفني، فكثيرون يعشقون هذا الفيلم وكثيرون يكرهونه جدًا، لا توجد حالة من الوسطية أو أرضية مشتركة لهذا الفيلم، إما أقصى اليمين أو أقصى اليسار، ولكن هنا سأتكلم عن أهم عنصر في الفيلم ولماذا تميز الفيلم فيه عن باقي الأفلام وهو «الوحدة »، تلك الكلمة الخطيرة والمخيفة، قاسية الوقع على الإنسان، فمنذ البدء كان يفعل الإنسان كل شيء فقط ليصبح سعيدًا ومحبوبًا، كل ما نفعله في حياتنا يتجه بشكل ما لتلك النقطة، وهذا لا يتحقق إن كنا وحيدين أو معزولين عن الآخرين، يمكننا أن نقول أن الوحدة هي القوة المعادية لرغبة الإنسان في أن يكون محبوبًا وسعيدًا وهذا يخلق حالة من الصراع مع تلك الحالة حين تفرض نفسها على شخص ما مما يسبب شعورًا دفينًا بالاكتئاب، ولطالما كان الاكتئاب مؤشرًا على عدم الرضا.
سكورسيزي في هذا الفيلم ناقش الوحدة من بُعد مختلف تمامًا عما نظن، ربما قليلون قد لاحظوا ذلك، لقد كانت تعاني شخصية «ترافيس» التي جسدها روبرت دينيرو من انحراف إيديولوجي خطير، هذا كان بسبب العزلة والوحدة التي كانت تطارده في كل مكان، تلك الوحدة كانت نتيجة مباشرة لاضمحلال التواصل البشري، الوحدة هنا هي ذات مفهوم جديد، فهي ليست تلك الوحدة المبتذلة التي تتوقف عند كونها تلك المسألة النفسية و التي يمكننا الحديث عنها دائمًا بنفس المصطلحات القديمة والأساليب التي حفظناها جميعًا، بل هي في الحقيقة نتيجة السقام الذي نعيشه في هذا العالم، الوحدة هي عدم القدرة على التواصل بنفس الطريقة التي يتبعها هذا العالم والتي تقوم على المصالح المشتركة، الوحدة نتيجة قوية وموجعة للأساليب التي يريد منا النظام أن نتبعها .

«ترافيس» في هذا الفيلم هو شخص وحيد، كان جنديًّا في الجيش الأمريكي مما مكنه من استخدام السلاح ومكنه أيضًا من أن يعيش بعض اللحظات الوحشية تحت مُسميات عدة مثل الدفاع عن الوطن أو حماية الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك كان عُرضة لغسيل الدماغ بشكل مستمر، في ذلك الحين أصبح رجل صاحب معاناة بسبب ذلك الخلل اللاإنساني بالإضافة إلى الوحدة المزمنة التي يعيش فيها فقد أصابه كل هذا بأرق حاد.

كانت الأحداث الفريدة التي حدثت فيما بعد في حياته عقب عمله سائق تاكسي نتيجة للصدمة المجتمعية التي قابلته، نتيجة لانعدام قدرته على التواصل، فهو من جهة كان يحمي هذا البلد والذي يشعر الآن بفشل تام في التواصل مع مواطنيه الذين بدأت ثقافتهم في العلاقات الاجتماعية في الانحطاط، في أمريكا كل شيء يُباع ويُشترى، قوة رأس المال هي من تحرك عاطفة وحياة كل إنسان، تتحكم في آرائه السياسية وتتحكم في قدرته على سد وحدته، تتحكم في قدرته على أن يكون معاصرًا أكثر وجذابًا للآخرين، في الوقت الذي كانت فيه الأموال بالنسبة له مجرد بضع أوراق، كان هذا بالطبع قد خلق صدمة لهذا الرجل الذي رأى أن المجتمع الأمريكي قذر، وأن السياسيين كالإلهة، مما خلق رد فعل عنيف وقد تحول الأمر إلى معاناة نفسية تولد تصرفات متناقضة، يناصر مرشح الانتخابات «بلانتين» وفي الوقت ذاته يريد أن يقتله، يشاهد الأفلام الإباحية وفي الوقت ذاته يحاول إنقاذ فتاة من العمل في الدعارة، هذا أيضًا جعله لا يستطيع التعاطي مع المقاييس الأخلاقية للمجتمع فقد أخذ الفتاة التي يحبها في موعد إلى دار عرض أفلام جنسية، ذكرني هذا بمقولة إيفا جرين عقب صدور فيلمها مع برناردو برتولتشي the dreamers «المجتمع الأمريكي مجتمع متشدد جداً، فهو يمنع ظهور اللقطات العارية على الشاشات لكنه لا يمنع عرض مشاهد أطفال قتلى وتفجيرات بشعة من دول أخرى».
هذا الفيلم يصور رجلًا يعيش في عالم مُحكم بقوانين أبدية، وحريته ما هي إلا مهزلة، كل ما يتطلب منه هو أن يمشي جنبًا إلى جنب مع تلك القواعد، حينها تغدو معرفة الإنسان كلها بلا قيمة، كل تلك العلوم والفلسفات، كل شيء بلا قيمة، هذا الرجل يعيش في عالم مُحكم بقوانين أبدية، قوانين الدولة التي تحمي وتحافظ عليها من الأعداء، هذا ما استقاه في الجيش، و«الرب يبارك أمريكا» التي يسمعها في كل خطابات السياسيين من ضمنهم «بلانتين»، وهي تعني أن الله يراقبنا طوال الوقت وأن الله موجود، لذلك فهو شخص متناقض ذو مقاييس أخلاقية و وطنية زائفة، هو ضحية لتلك القذارة التي تملأ الشوارع، ما يهم هو فقط النشاط المتواصل والمستمر ولقد جسد هذا من خلال عمله سائق تاكسي،وهذا تحديدًا هو المميز بذلك الفيلم الذي يجرد الوحدة من مجرد كونها مشكلة نفسية، بل إنها جدران حول الإنسان تزرع انعدامًا للتواصل وتبلدًا دراماتيكيًا في العلاقات.
«ترافيس» كان شخصًا مستسلمًا لذلك القانون الأبدي الذي يعزز سطحية الثقافات وتوجهات الطاعة الكاملة، لذلك انفجر هذا الرجل في تصرفات متناقضة تمامًا معبرًا عن انحرافه الأيديولوجي الخطير، وإحدى الأشياء التي دفعت بقوة لذلك هو نشاطه المستمر في مشاهدة الأفلام الجنسية التي عززت تناقضه،جميع الوحيدين منحرفين أيديولوجيًا ولكنهم ليسوا بخطورة «ترافيس»، منحرف إيديولوجي ببساطة تعني انحرافك عن المقاييس التي وضعها المجتمع أو النظام أو البيئية وكونك منحرفًا عن تلك المفاهيم فهذا يجعلك شخصًا وحيدًا، بلا رفاق، تشعر بالاغتراب لتحطم جسور التواصل البشري بينك وبين الآخرين نتيجة للمفارقات الثقافية، عليك أن تعلم أن العامة يسيرون نحو ثقافة اللاإنسانية ولكن بدرجة محددة، فإذا كنت لا إنسانيًا أكثر منهم بدرجة فلن تستطيع التواصل معهم، وإن كنت إنسانيًا فلن تستطيع التواصل معهم أيضًا، يجب أن تكون من العامة، من القطيع، على نفس الدرجة، وبنفس الأسلوب، ولأن ليس الجميع خدم في الجيش، وليس الجميع كان يعاني من الأرق، وليس الجميع يشاهد الأفلام الإباحية، فليس الجميع متناقضين، وليس للجميع ردود فعل عنيفة وليس للجميع معيارًا أخلاقيًا متذبذب الظهور، فلم يكن الجميع مثل «ترافيس» لذلك وضعه هذا في منطقة انعدام التواصل والوحدة التي فجرته، تخيل لو أن العالم اليوم كله مثل «ترافيس»، كل من حولك مثله، وأنت الوحيد الذي ليس مثله، فلماذا تشكو من الوحدة؟
هذا الفيلم يعكس عبقرية مارتن سكورسيزي الذي أخرج هذا العمل عام 1976، بذلك الإيقاع وبتلك القدرة الجبارة، وهذا يجعله بالنسبة لي أعظم فيلم تناول مفهوم الوحدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد