عقب تنحي مبارك وخلال فترة حكم المجلس العسكري للبلاد قررت أنا وصديقان الذهاب إلى القاهرة والاشتراك في إحدى فعاليات يوم الجمعة بميدان التحرير تلبيةً لدعوة التأكيد على مدنية الدولة.

كان الأسبوع الأخير لي في حياتي المدنية قبل التحاقي بصفوف القوات المسلحة.

كان الميدان خاليًا تمامًا من منصات الإخوان المسلمين في تلك الجمعة.

كان هناك العديد من الشخصيات العامة ومشاهير الإعلام ورموز السياسة المعروفين بانتمائهم الليبرالي، أو ما يشبه ذلك، جميعهم اكتفوا بالتأكيد على الوقوف ضد التيار الإسلامي للحفاظ على مدنية الدولة.

على إحدى المنصات كان هناك رجل يتحدث بهدوء وتعقّل على عكس معظم المنصات الموجودة:

“هذا الحشد من أجل التأكيد على مدنية الدولة والتمسك بمبادئ ثورة الخامس والعشرين من يناير، والتأكيد على وجوب نقل السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة في أسرع وقت عن طريق انتخابات برلمانية نزيهة يعقبها انتخابات رئاسية.

ثورة يناير هي ملك للشعب المصري بجميع أطيافه، ولذا ينبغي على المجلس العسكري تسليم السلطة والعودة إلى ثكناتهم العسكرية لاستئناف المهمة المنوطة بالجيش المصري في حماية الحدود”، بالطبع لم يكن هذا الشخص أحد نجوم برامج “توك شوز” في هذه الفترة.

كان ذكره للمجلس العسكري كافيًا لإشعال حماس ووطنية بعض الحضور من حملة أعلام مصر ذات الحجم المتوسط؛ مما جعل أحدهم يبدي اعتراضه بصوت عالٍ مبحوح وعروق بارزة على وشك الانفجار وملامح تحولت للون الأحمر تضمانًا مع انفعاله الوطني:

 

“اوعوا تجيبوا سيرة الجيش المصري العظيم، هو اللي حمى ماااصر، يا خوناااااااااه” أدى ذلك الأداء المبالغ فيه إلى إجبار الرجل على المنصة إلى النزول ومنعه من الكلام. كان موقف الرجل المنفعل ومعارضته الشديدة لفكرة تسليم السلطة لدولة مدنية منتخبة، بينما هو من قرر المشاركة في جمعة “الدولة المدنية”، محيّرًا ويحتاج إلى تفسير منطقي بالنسبة لي، لكنني لم أجد.

علمت حينها أن ما هو قادم لا يحمل الكثير من الأمور الجيدة.

***

التحقت بالقوة الأساسية التي سأقضي بها باقي فترة التجنيد، قسم عمليات اللواء. كان هناك عساكر قديمة بالطبع في حاجة ماسة لعساكر مستجدة تساعدهم في حمل ما لا طاقة لهم به. من بينهم أدهم، العسكري الأقدم والأقرب إلى قلب الضابط المسئول والأقوى نفوذًا.

كان أدهم ذا أصول صعيدية، وله حرفة يمتهنها مع باقي أفراد أسرته كمصدر لأكل العيش عن طريق جمع الخردة وبيعها. كان صغير السن لكنه يمتلك خبرة جيدة في الحياة.

 

أدهم، أحد أبناء الطبقة البسيطة ممن يتابعون توفيق عكاشة باهتمام ويؤمنون بنبوغه الفكري ورؤيته الثاقبة للأمور، دائمًا ما يستمع إليه في انتباه محاولاً التأكيد على أهمية ما يقول من معلومات ستغير مجرى تاريخ هذا الكوكب.

لكنه كان كثيرًا ما يجد نفسه في مواقف يضطر فيها للدفاع غير المبرر عن العديد من المعلومات الكاذبة التي لا تستقيم مع أبسط بديهيات المنطق والمخالِفة تمامًا للحقائق الملموسة للجميع. في النهاية يضطر إلى تغيير المحطة بعد عجزه عن معالجة كل هذه الأكاذيب دفعة واحدة بعد أن يسبّه بصوت منخفض. كان يعلم أن عكاشة شخصًا منافقًا مداهنًا للسلطة، لكنه كان معجبًا بنفاقه.

 

كان أدهم بمثابة ظاهرة غير مفهومة بالنسبة لي في بادئ الأمر، أحد أبناء الطبقة الفقيرة التي ظلت لأعوام وعقود تعاني يوميًّا لكسب لقمة العيش دون وجود أي فرصة لتحسين الوضع المادي والاجتماعي تحت وطأة الفساد المالي والإداري الذي ساد واستوحش في كل ركن من أركان دولة مبارك؛ مما أدى إلى إشعال ثورة يناير أملاً في تحسين أوضاع تلك الطبقة.

 

رغم ذلك كان كارهًا للثورة ومعارضًا لها بشدة، يدافع عن مبارك ونظامه بضراوة ضد من يحاول الكلام عنهما بسوء.

أخبرني بعد ذلك أنه اعتاد “تسليك” أموره مع كمائن الشرطة للمرور بعربة الخردة عن طريق دفع “الشاي” واستكمال الطريق في هدوء وسلاسة: “الأول كنا عارفين اللي فيها. تدفع الشاي ومصالحك تمشي. دلوقتي كله هيخاف والمصالح هتقف”.

 

ظل موقف أدهم من الثورة محيّرًا وفي حاجة إلى تفسير منطقي بالنسبة لي فترة طويلة، لم أكن أعلم بعد أن هناك الملايين من أبناء تلك الطبقة الفقيرة والمتوسطة من أمثال أدهم سيقررون النزول إلى الشوارع لمبايعة نظام جديد يتم استنساخه من نظام مبارك البائد بفساده المالي وجبروته الأمني الذي عانوا منه لعقود، نظام جديد يتم تأسيس أركانه على جثث المئات من الشباب وحلمهم بوطن نظيف يضمن لهم إتاحة الفرص والمساواة والحياة الكريمة، بينما تتمايل أجسادهم أمام اللجان في فرحة عارمة ليس لها أي علاقة بما يحدث.

 

أدركت آنذاك أنه في هذا البلد ليس من الضروري أبدًا وجود أي تفسير منطقي لأفعال البشر واختياراتهم، وأن التشبث بحلم الوطن الجديد لا يقوى على هزيمة رغبة الناس في استمرار الفساد الذي اعتادوا عليه، وأصبح جزءًا مكملاً لحياتهم ومصالحهم الشخصية. في الحقيقة لم أكن أعلم ذلك ولم أكن أتوقعه، لذا كان الأمر محيرًا بالنسبة لي. لكن نظام مبارك كان يعلم ذلك جيدًا وراهن على رغبة الناس الحرة في عودة نظام “الشاي”، مقابل تسيير مصالحهم مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد