صدر كتاب الأخ والصديق الشاعر المغربي إبراهيم أوحسين «مدرس تحت الصفر». وقد قَدَّمت له بناءً على طلبه.

مقدمة الكتاب

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، أما بعد؛ فيسرني أن أقدم للمكتبة العربية كتاب «مدرس تحت الصفر»، وهو باكورة الإنتاج الأدبي للأديب والشاعر المغربي إبراهيم أوحسين.

«مدرس تحت الصفر» هو صورة حية نابضة لما آل إليه حال التعليم في معظم بلادنا العربية، فإن كنت مغربيًا أو مصريًا أو يمنيًا أو سودانيًا، فستشعر أن ما يتحدث عنه الكاتب يمس جزءًا من واقعك، وليس بغريب عنك، حتى لو اختلفت التفاصيل. وأقول «جزءًا من واقعك»؛ لأن واقع التعليم في معظم البلاد العربية قد انقسم بين تعليم فاره يُقدَّم للقادرين على دفع مصروفاته، وتعليم حكومي لا يفي بالغرض غالبًا، وإن تفاوتت مستوياته بين مناطق بلادنا المختلفة، خاصة بين الحضر والريف.

الكتاب سيرة مدرس منذ أن أخذ القرار الصعب بالالتحاق بمعهد تكوين (إعداد) المعلمين، على خلاف رغبته، واستجابة لظروفه المادية الصعبة، وتمتد عبر سنوات، ليحكي لنا عبرها حال ذلك التكوين، ثم حال مدارسنا ومدرسينا في المناطق النائية، مازجًا ذلك بصراعاته النفسية بين أحلامه وآماله التي تبخرت أو كادت تتبخر بقبوله الوظيفة، وبين واقعه الأليم الذي أبى أن يخفف عنه ألم مفارقة تلك الأحلام.

لكن الكتاب على ذلك ليس من أدب السير أو التراجم، بل هو شكل فريد من أشكال الأدب، لا هو بالسيرة الخالصة، ولا هو بالوصف التقليدي للوقائع، ولعله أشبه ما يكون بـ«يوميات نائب في الأرياف» لكاتبنا الكبير توفيق الحكيم، التي وصف لنا فيها جزءًا من واقع الريف المصري مطلع القرن العشرين من خلال سرد بعض القصص التي كان الحكيم شاهدًا عليها أثناء عمله في السلك القضائي مطلع شبابه، وبعض تلك القصص كان يتعلق بالظروف المعيشية الصعبة التي اضطُرَّ إلى التعايش معها في الريف، وبعضها الآخر والأهم كان يتعلق بالمنظومة الإدارية الفاسدة التي تفتقد القدرة على تحقيق العدالة المنشودة للفلاحين.

وكما كانت سيرة توفيق الحكيم هي الهامش والنافذة التي استغلها لعرض واقع غير مألوف للريف والاقتراب منه، فإن الكتاب الذي بين أيدينا يرصد تفاصيل الواقع التربوي البائس من خلال حوادث حياة المعلم إبراهيم أوحسين، بأسلوب أدبي ظريف ومفيد وعميق، على قدر ما يُعبر عن حوادث مؤسفة بسيطة.

من المعروف أن المغرب كسائر بلاد العرب قد خرج من فترة الاستعمار، وقد كُبِّل أغلب أبنائه بالجهل، وأنه قد بذل جهودًا كبيرة لنشر التعليم، وأُجريت إصلاحات كثيرة بهدف تقليص الفوارق الإقليمية، لكن وفي سنة 2014 تم تصنيف المغرب ضمن أسوأ 21 دولة في مجال التعليم إلى جانب عدد من البلدان الأفريقية الفقيرة جدًا، حيث أقل من نصف عدد الأطفال يتعلّمون المهارات التعليمية الأساسية؛ ذلك أنه مع بقاء المنظومة الإدارية الفاسدة جاثمة لم يكن ما يُروى عن تقلص تلك الفوارق الإقليمية ونشر التعليم أكثر من حبر على ورق.

«مدرس تحت الصفر» هو تجربة حية لشاب اشتغل بالتدريس في الريف، ولا يخفى على عاقل ما يعود على الإنسان، وما يزداد به عقله عند قراءة تجارب الآخرين؛ ولأجل هذا كانت السير من أجلّ ما يُروى، حتى أورد الله تعالى القصص في القرآن الكريم، فهي وسيلة العقلاء للاستزادة من تجارب الآخرين؛ ليُفاد منها حسن التدبير المستقبلي، والاتعاظ من الأخطاء، والحرص على عدم تكرارها. فهل نتعظ من أخطائنا، ونحسن التدبير لمستقبلنا أم نكرس لبقاء نفس الممارسات التربوية الخاطئة؟!

لقد كنا يومًا أمة عظيمة عندما كنا نعظم العلم والتعليم، ونوقر العلماء والمعلمين. غير أن هذا لم يعد حالنا، ولعل هذا الحال ينصلح ويلتفت المسؤولون إلى أوجه الخلل ويسدونها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد