في مقابل الوسائل التقليدية للتعبير عن السّخط (السبّ، الشجّار…)، تظهر السخرية أو «الساركازم» – خاصة في العالم الافتراضي – باعتبارها طريقة غير مباشرة في الانتقاد، ووسيلة في مواجهة المصاعب بتهكّم، حيث يتطلّب ذكاء في الصميم والتوظيف، يظهر في كيفية المزج بين مشاهد وكلمات لتكوين مواقف ساخرة، تُبطن رسائل عميقة إزاء القضايا المُعبّر عنها.

مواقع التواصل الاجتماعي

لقد أصبح للواقع الافتراضي حيزًا زمنيًّا زاحَم به الواقع المعيش، فمن خلاله تستطيع أن تُتابع وتُكوّن فكرة عن مختلف المجالات (سياسية، اجتماعية، ثقافية، رياضية، …)، بل وتُدلي بدلوك فيها وتُعبّر عما يجول بخاطرك عنها، فقط بضغطة زر.

وبالحديث عن إمكانية التعبير التي تُتيحها مواقع التواصل الاجتماعي، فقد ظهرت في السنوات الأخيرة صفحات على الفيس بوك، تنهج نهج السخرية في التعليق على الأحداث، تصل إلى درجة تبني المواقف والترويج لها بأساليب الساركازم، فتنوعّت مُسمياتها بين «الساركازم sarcasm» أو «الترول troll» أو «الميم meme»، وهي جميعًا مُصطلحات برزت بقوة في الويب المغربي، وحازت قصب السّبق من حيث المتابعة والتفاعل، خصوصًا عند فئة الشباب.

الأساتذة أيضًا يُتقنون «الساركازم»

أمام هذا الوضع، كان لزامًا أن تؤثر ثقافة «الساركازم» في تعليقات وتعابير الأشخاص (على الأقل افتراضيًا)، وأن تشمل قطاعات كثيرًا ما وُسمت بطابع الصرامة والجدية. فلطالما كانت الصورة النمطية للأساتذة في المجتمع تتلخّص في كونهم جديين لا يكثرون الضحك والهزل، فضلًا عن أسلوب السخرية.

لكن الجيل الحالي من الأساتذة، الذي عايش وسائل التواصل الاجتماعي وتفاعل معها، كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على صورته العامة الجديدة، فلم تعد تلك الأقنعة الجادة ملازمة له أينما حلّ وارتحل.

وعملًا بالمثل القائل: «شر البلية ما يضحك»، اختارت شريحة من الأساتذة نهجًا مخالفًا عما كان من قبل، فاقتحمت المجال الرقمي، مُكسّرة بذلك تلك الصورة النمطية – بإيجابياتها وسلبياتها – عن القطاع التربوي، وموظفة «الكوميديا السوداء» في التعبير عن المشاكل التي يعاني منها القطاع، ترويحًا للنّفس برسم بسمة تُنسي الهموم من جهة، وأسلوبًا في بعث رسائل عميقة من جهة ثانية.

ونُمثّل هنا بصفحة «بيداجوجيا الساركازم» التي – على غرار صفحات «الساركازم» الشهيرة – تقوم بنشر صور وفيديوهات ساخرة، مأخوذة من أعمال فنية (أفلام أو أغاني ..) أو مقاطع هزلية، تُسلّط من خلالها الضوء على المواقف التي يعيشها الأستاذ، وتُعبّر عبرها عن مشاكل وقضايا القطاع، خصوصًا مشاكل ملف «الأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد»، الذي يُعتبر قضية راهنة لم تجد بعد طريقًا للحل.

لقد لاقت الصفحة –ومثيلاتها – تفاعلًا ملاحَظًا، وأصبح انتشارها يتزايد يومًا بعد يوم، مُحدثة بذلك ما يُمكن اعتباره منعطفًا جديدًا في تشكيل التمثلات، وتصحيح الأفكار المغلوطة السابقة.

تقبّل الساركازم

وسط الإقبال والتفاعل الذي تعرفه هذه الصفحات، هناك فئة من الأساتذة (ومن خارج القطاع) تُبدي رفضها لهذا الأسلوب، بل وتتهم القائمين على الصفحة بالخروج عن نطاق الأدب والاحترام، فتجد في بعض المنشورات تعليقات من هذه الفئة تستنكر وتُعلّق بجمل وكلمات مثل: «هزُلت»، «أهؤلاء هم مربُّو الأجيال!»، «ما هذا المستوى المنحط؟».

وغالبًا ما تكون الردود عنها ساخرة، لا تصل لحدود الاستهزاء والتنمر، أو تأتي في شكل تعليقات تُوضّح المقصود من المنشور المُثار حوله الجدل، وتدعو لتقبّل أسلوب «الساركازم» باعتباره ضرورة أوجبها العالم الافتراضي الحالي، ووسيلة مهمة في التعبير وإيصال الأفكار.

وتبدو المنشورات الأكثر تفاعلًا تلك التي تسخر من واقع حال المنظومة التربوية، فيما يظهر إجماع حول تجنب إفشاء الأسرار المهنية، لما في القيام بذلك من إخلال بواجب التحفظ تُجاه المعلومات والإجراءات والقرارات التي تصل للأستاذ أثناء تأدية مهامه. فثمة حدود بين الجدّ والهزل وجب احترامها.

يرى الكاتب العبثي صمويل بيكيت أنّ أنجع طريقة لمواجهة البؤس هي السخرية منه، فالسخرية هي اللغة الناطقة للأغلبية الصامتة، من خلالها توصل الرسائل الماكثة في أعماق النفوس، ويستمر عبرها التعايش مع «الواقع المفروض».

ويبقى «الساركازم» مستحبًا ومقبولًا، متى كانت رسائله هادفة، بعيدًا عن التهجم والتشهير، والبذاءة والشخصنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد