يقول المفكر المغربي «محمد عابد الجابري» في مقدمة كتابه «أضواء على مشكل التعليم بالمغرب» الصادر سنة 1973: «ثمة في المغرب الراهن مشكل مزمن، مشكل يحتل الصدارة ضمن مجموعة المشاكل الأخرى التي لم تعرف بعد طريقها نحو المعالجة الجدية والحل الصحيح… إنه مشكل التعليم». ونحن نستحضر هذا الاقتباس الصادر عن فيلسوف العقل العربي الحديث، نتأكد من دقة وصفه للتعليم في المغرب بـ«المشكل المزمن»، والذي لم يُعرف له بعد طريقًا للمعالجة الجدية.

يشغل التعليم مكانًا محوريًّا في المنظومة التنموية لأي أمة، ولنهضة هذا القطاع نتائج مباشرة على حال الأفراد والجماعات، وأثر في مختلف المجالات.

وقد عرف قطاع التعليم في المغرب عدة محاولات لإصلاح الأعطاب التي يعاني منها، بدءًا بالميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، ثم المخطط الاستعجالي (2009- 2012)، وآخرها الرؤية الاستراتيجية (2015- 2030) التي تسعى إلى توطيد المكتسبات المحصلة وتطويرها، وإرساء مدرسة جديدة قوامها الإنصاف، وتكافؤ الفُرص، والجودة للجميع، والارتقاء بالفرد والمجتمع.

لكن المستجدات التي طرأت على الساحة التربوية طرحت مسألة علاقة الإجراءات التي شرعت فيها وزارة التربية الوطنية بتنزيل مشاريع الرؤية الاستراتيجية. فسنة 2015، ناضل الأساتذة المتدربون ضد «المرسومين المشؤومين» (تقليص منحة التكوين، وفصل التكوين عن التوظيف)، وقد شغلت قضيتهم الرأي العام الوطني، بعد عدة مسيرات احتجاجية.

ثم في 2016، خرجت مذكرة وزارية موضوعها التوظيف بموجب عقود من طرف الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، تنصّ على توظيف أساتذة بعقد محدود المدة، بدون تكوين أساسي، مع عدم إمكانية الترسيم أو الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية. وقد جاءت هذه الخطوة لسدّ الخصاص المهول الذي يعرفه قطاع التربية الوطنية، ومواجهة الاكتظاظ الحاصل في الأقسام.

العمل بآلية التعاقد –من حيث المبدأ– ليس إشكالًا في حد ذاته، فهو معمول به في بعض التجارب الخارجية، ولكن الأمر يختلف عند العمل به في الدول النامية، حيث يطرح التساؤل حول قدرة البنيات الإدارية الوطنية على الانسجام مع هذا النمط من التوظيف.

وبخصوص هذا الأمر، كانت اليونيسكو قد أصدرت سنة 2005 تقريرًا عن تجربة التعاقد في بلدان «كمبوديا، الهند، دول أفريقيا الغربية…»، وخلُص التقرير إلى فشل هذه السياسة في تحقيق الأهداف المرجوة، وتهديدها في بعض البلدان للاستقرار السياسي والاجتماعي، كونها تستهدف «الطبقة الوسطى» التي تعتبر العامل الأساس للحفاظ على توازن المجتمع. كما أن طبيعة التعليم يقتضي العمل الدائم، وليس العمل الموسمي والمؤقت.

ومن خلال هذه التجربة التي شملت فوجي 2016 و2017، برزت عدة مظاهر سلبية، فقد وجد الأساتذة الجدد أنفسهم بدون صفة أستاذ موظف، بل فقط متعاقدين مع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، ما قد يؤدي مستقبلًا لإحداث شرخ داخل صفوف هيئة التدريس، ما بين أستاذ مرسّم وأستاذ متعاقد، ومن ثم زيادة الإشكالات التي تتخبط فيها المنظومة التربوية.

كما يحرِم التعاقدُ الأستاذَ من تكوين أسر بسبب انعدام الاستقرار المادي (النفسي، الاجتماعي…)، ويجعله دائم الانشغال بهاجس «فسخ العقد»، فكيف سيؤدي هذا المدرس واجبه المهني وهو لا يشعر بالثقة، ومهدد في فقدان مصدر رزقه؟

وأمام هذا الوضع، لبّى الآلاف نداء «التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد» (التي تضم حوالي 55 ألف أستاذ)، إذ تمّ تجسيد اعتصام إنذاري يومي 29 و30 غشت (أغسطس- آب) في الرباط، انطلق في اليوم الأول بمسيرة احتجاجية اتجهت نحو مكان الاعتصام بمقر وزراة التربية الوطنية، ثم جاب الأساتذة في اليوم الثاني شوارع الرباط لينتقل الاحتجاج إلى مقر البرلمان. وردد الآلاف من المشاركين شعارات من قبيل «الشعب يريد إسقاط التعاقد»، «حرية كرامة عدالة اجتماعية»، «لا لا ثم لا للتعاقد المهزلة». وكان هاشتاج «code2930» قد انتشر عبر الصفحات والمجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة التي سبقت الاحتجاج. وهو الاحتجاج الثالث بعد مسيرة 6 مايو (أيار) في الرباط، ومسيرة 23 يونيو (حزيران) في مراكش.

التوظيف مطلب دستوري، والأستاذ باعتباره عضوًا مؤثرًا في المجتمع، ومساهمًا في تشكيل وعي الأمة، ومشاركًا مع الأسرة في تربية جيل الغد وإعداده، وجب تمكينه من الشروط الكفيلة بأداء رسالته على الوجه الصحيح، والإبقاء على الأمل في قدرة المدرسة على غرس القيم النبيلة في نفوس الناشئة.

الظرفية تستدعي منّا جميعًا الانخراط في الإصلاح، وبذل الجهد كل من جهته، والتعامل مع الوضع بنظرة متعددة الجوانب تستند إلى الحكمة والمسؤولية. فعلى السّاهرين على الشأن التربوي أن يُعيدوا النظر في مسألة التعاقد، إذ لا إصلاح دون شروط تحفظ الكرامة وتضمن الحقوق، وتحمي المدرسة العمومية من الوقوع في أزمات أخرى.

Embed from Getty Images

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد